كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 25- أسطورة إيجور - الجزء الأول (2)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 25- أسطورة إيجور - الجزء الأول (2)   الأربعاء فبراير 07, 2018 5:30 am

- 2-
برغم ولعه بالبصاق والسعال.. برغم رائحة الخمر الرخيصة التي تفوح من فمه طيلة الوقت خاصة حين يقهقه بصوت عال.. برغم قلة نظافته والقمل الذي يزحف تحت ثيابه في حرية تامة يمكن القول إن العم أندريه كان رجلا طيبا.. كانت له أسنان نخرة بعضها ذهب للأبد وبعضها ينتظر وكان له شارب كث أشيب يتسلل لداخل فمه كلما حاول الكلام فكان يطرده بطرف لسانه.. لابد أنه طرد بعض الشعيرات قبل أن يقول لإيجور:
- إيجو.. إن هذا البلد ملئ بالفرص.. صدقني..
كانا واقفين على ظهر السفينة العملاقة التي تمخر عباب الأطلنطي وكان إيجور الصغير يرتدي معطفا جلديا حال لونه واهترأ وقد دس يديه في جيبه بينما قلنسوة من الفراء تغطي رأسه الأشقر الصغير..
على وجهه علامات الألم والشقاء.. وعلى ظهر السفينة تناثر اللاجئون..
- إن العالم ملئ بالأوغاد أيها الصبي..
يقولها العم وهو يضع كفه المعروقة على كتف الصبي:
- هيه؟.. أنت لا تصدقني يا ابن الشيطان؟.. أنا أعرف ذلك.. إن العم أندريه ليس ثملا أبدا.. دعني أشد أذنيك الصغيرتين حتى تحمرا.. حينما يقول لك العم أندريه إن العالم يعج بالأوغاد فهو يعني ما يقول.. إنهم أولاد الخنازير يظنون أنني لا أفيق من السكر لكني أخدعهم جميعا.. ألاحظ وأحلل وأفهم كل شئ..
- ولكن يا عماه..
- ولا كلمة.. خذ عندك هذا المجنون هتلر الذي قرر في لحظة أن يحرق أوروبا كلها.. ثم الخنزير ستالين الذي قرر أن يحالفه.. لقد اقتسم الغولان النازي والروسي بولندا العذراء البائسة.. ولكن سترى يا إيجو.. سترى أن هتلر لا يؤمن جانبه.. سرعان ما يستدير ليلتهم ستالين بدوره.. وعندئذ.. إن شاء الله تأخذني مصيبة إن لم تعم الدماء الأرض.. ويقولون إنني ثمل لا أفقه ما أقول.. بحق العذراء مريم لتعمن الدماء الأرض..
ثم عاد للسعال والبصاق وعاد الصبي بعينيه للبحر..
***************************************
اسمه إيجور تاركوفسكي بن ميخائيل المدرس بالمدرسة الإعدادية.. سنه اليوم عام 1942 خمس سنوات.. بالطبع هو لا يعرف تفاصيل ما حدث وإن كون صورة مبهمة عنه من ذكرياته وثرثرة العم وما قرأه بعد الحرب بأعوام.. فقط يعرف أنه كان طفلا كأي طفل آخر.. وفي ذلك اليوم كانت أمه تولول وتصرخ وتردد:
- لقد حاصروا الحي.. الدبابات..
لم يفهم كنه كلامها.. لكنه أطل برأسه الصغير من نافذة الطابق السادس ليرى الدبابات الجميلة تقف متراصة كالدمى بعرض الشوارع.. صاح فرحا.. ولم يفهم قط ما الذي يثير الذعر في هذا المشهد الساحر.. لكن الأم حملته على كتفها وجذبت أخته ماريا ذات السنوات العشر ثم هرعت تنزل درجات السلم للشارع.. وكان هناك مكبر صوت يردد بلغة بولندية رديئة:
- إخلاء.. لا نريد أن.. الشارع..
ورأى إيجور آخرين يركضون في هلع وكان هناك رجل ذو شارب كث يحمل بندقية فرأى جارهم الأصلع لييسكي يوقفه بعصبية صائحا:
- تخلص من هذه.. إنك ستجلب علينا الدمار..
يذكر إيجور الأزقة الخلفية وصفائح القمامة التي راحت الأم تبعثرها وهي تولول.. ويذكر الجنود الذين وقفوا جوار دباباتهم مصوبين أسلحتهم باتجاه الفارين عبر الأزقة.. من ثم صاح القوم في هلع:
- هذه الجهة مغلقة..
هنا بدأ الرعب يزحف لروح إيجور.. بدأ يئن ثم يبكي وهو على كتف أمه.. وهنا بدأ دوي المدافع.. الأرض ترتج ومعها ترتج القلوب.. نظرات حائرة ترمق الأفق في توتر و..
*********************************************



لماذا لم ينس أبدا ما حدث؟.. من البديهي أن تكون العبارة التالية هي: وساد الظلام.. ولم أعد أعرف أين أنا ولا ما حدث حتى أخرجوني.. هنا مع إيجور الوضع يختلف.. فهو يذكر جيدا كل قطعة قرميد هوت فوقه ويذكر أين هوت.. والرضوض التي حدثت في جسده.. بل هو يذكر مصير كل ذرة غبار تطايرت من ذلك الجدار الذي انهار فوقه هو وأسرته.. هل فقد الوعي؟.. حتما حدث هذا.. لكن ذاكرته عن الحفرة والردم تشكل شريطا واحدا متصلا خاليا من المونتاج.. وهو يذكر جيدا هدير جنازير الدبابات على بعد أمتار من موضعه.. لماذا لم يمت؟.. لا يدري.. إن التفسير الوحيد هو أن أجله لم يأت بعد.. وهذا حق.. لكن أجل الآخرين كان محددا.. الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم السبت 20 أبريل 1942 ولم يتأخر الأجل أو يتقدم.. أما هو فقد ظل حيا يرزق وقد وجده الرجال..
***************************************
كان العم أندريه يردد دوما:
- هؤلاء الخنازير القادمون من الراين سيذبحوننا.. سترى يا بني.. سيصنعون ذخيرتهم من كرات عيوننا..
ولهذا كان الهروب من وارسو.. من بولندا كلها..
- إن في الغرب عالما جديدا يا إيجو.. عالما حرا بعيدا عن المذابح.. وإن شاء الله تأخذني داهية إن لم يرحب بأمثالنا..
وعلى ظهر السفينة المتجهة للولايات المتحدة عبر الأطلنطي وقف إيجور ذو السنوات الخمس مع العم السكير يودع مسقط رأسه الذي أخذه الآريون..
************************************
بعد قليل لاح العملاق الممسك بالشعلة فقال العم أندريه:
- هذه هي الآنسة حرية يا إيجو.. مس ليبرتي يا إيجو.. وعلى قاعدتها كلمات تقول: إلي أيها المتعبون فأنا أحمل مشعل الحرية.. إنها تحرس بوابة العالم الجديد..
لكن إيجو كان يبكي خوفا من ذلك التمثال الذي قد يتحرك وأحس بحس الأطفال أن أمريكا لن تكون الجنة التي يتوقعها العم.. والآن يدخل إيجو الصغير للولايات ليبدأ حياة جديدة مبهمة.. وبذا ينتهي الجزء الأول من قصتنا..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
25- أسطورة إيجور - الجزء الأول (2)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: