كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 25- أسطورة إيجور - الجزء الأول (1)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 25- أسطورة إيجور - الجزء الأول (1)   الأربعاء فبراير 07, 2018 5:30 am

الجزء الأول: وارسو - 1942
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- 1-
أطلق الجنرال سيدلتز جابلر سيلا من الأوامر الألمانية بدت لمن لا يفهم الألمانية كأنها مدفع رشاش من المدافع التي يحملها جنوده.. فيض من حروف الشين والخاء انفجر في جندي المراسلة الذي يمتطي الدراجة البخارية جواره.. فصاح هذا يبلغ الأوامر للآخرين.. ورفع أحد الضباط جهاز اللاسلكي ليبلغ الأمر إلى رتل المدرعات الذي وقف ينتظر البدء في نفاد صبر حقيقي.. وفي تؤدة أدارت الدبابات مدافعها نحو صف المباني.. صرير البرج إذ يدور حول محوره.. وأنين الجنازير.. وحوش الدمار العملاقة تدير أعناقها نحو الفريسة.. ببطء شديد.. وهنا دوت الصيحة التالية من الجنرال.. وكأنما بانتظار الانفجار شرعت المدافع تهدر.. مرات عديدة بلا توقف.. كأن أبواب الجحيم قد انفتحت.. الهواء نفسه يتذبذب من الصوت.. وحتى الجنرال بوقاره الآري العتيد رفع كفيه المدسوستين في قفازين جلديين إلى أذنيه ليمنع الصوت من أن يؤذيه أكثر.. رائحة الموت تعبق الجو.. وحين انتهى القصف كان صف المباني المتداعية في نهاية الشارع قد استحال إلى كتلة من النيران ينبعث منها دخان أسود كريه الرائحة.. في رضا رفع الجنرال منظاره المقرب إلى عينيه وتأمل كل هذا الخراب الذي أحدثه.. كانت مجموعة البيوت هذه شوكة في حلق القوات النازية تحول بينها وبين ابتلاع وارسو دون ألم.. ويوما فيوما صار معروفا لدى الجميع أن رجال المقاومة البولندية يعيشون فيها ويرسمون خططهم داخلها.. ولم يعد مفر من هذا الحل الجذري.. وشرع جندي المراسلة يتأمل قائده خلسة في فضول.. كيف يفكر الجنرال؟.. إن جندي المراسلة البسيط لم ير أشخاصا كثيرين في حياته يقومون بتدمير حزام كامل من المباني مما قد يؤدي لقتل عشرات الأبرياء.. اليوم أسعده الحظ بأن يرى واحدا من هؤلاء العظام الخارقين للطبيعة.. ربما لهذا صار سيدلتز جابلر جنرالا.. إن وجهه جامد كالصخر لا يحمل أي تعبير من الأسف أو السرور أو الترقب.. وجهه يحمل كل كبرياء العسكرية النازية وقسوتها وربما لهذا هو القائد.. ربما لهذا.. راتاتاتاتاتا.. بوم.. راتاتاتاتا.. صوت طلقات من مدفع رشاش.. هناك فئران لم تزل حية في هذا الجحر.. فئران مصرة على المقاومة.. التفت الجنرال إلى رتل الدبابات كي يبدأ التقدم.. وببطء راحت الوحوش تئن وهي تزحف على الأرض التي راح أسفلتها يتشقق من ثقل الجنازير.. اضرب فورا.. اضرب في المكان الصحيح.. اضرب بكل ما لديك من قوة.. هذا هو شعار الجنرال الذي ينفذه حرفيا الآن.. المدافع تهدر في كرات متتالية.. الدخان والتراب القادمان من المباني المنهارة المحترقة يزكمان الأنوف ويجعلان الرؤية متعذرة حقا.. لكن الدبابات تواصل الزحف.. ووسط الضباب تبدو مثل ديناصورات عملاقة عادت للحياة.. ومن بين الأتربة لاحت أشباح رجال يحاولون الفرار أو الهجوم لا فارق.. هنا رفع الجنرال كفه آمرا:
- فليلتحم المشاة..
وسرعان ما انطلق الجنود ليغوصوا في بحر الدخان.. ودوى المزيد من الرصاص.. وارتجف جندي المراسلة وتساءل: ترى كيف يكون مذاق الموت في الصباح الباكر؟.. رائحة النهار الوليد ووجهك ملقى على الأسفلت..تشم دماء وتعرف أنها دماؤك.. ترمق أظفار يديك عالما أنك تفقد وعيك ببطء وأنك لن تراها بعد اليوم.. بعد الآن.. تعرف أن صلتك بهذا الجسد تتلاشى.. وأن.. راتاتاتاتا.. بوم.. المزيد من القتل..
******************************
الظهيرة تعلن نهاية المأساة.. انقشع الغبار تقريبا فلم يبق سوى بؤر محدودة من دخان أسود متناثرة هنا وهناك وكان صف المباني قد زال من الوجود نهائيا على حين يقف صف من الجنود حاملين بنادقهم مصوبة نحو صف من المدنيين البولنديين الذين وقفوا مبعثرة شعورهم ممزقة ثيابهم.. لم يتمكنوا من الفرار لأن دبابات الجنرال جابلر طوقت الشارع الخلفي أيضا.. بعضهم مدنيون أبرياء.. وبعضهم حتما ثوار.. كيف يمكن التمييز بينهما؟.. هذا عسير.. لكن الجنرال لا يمكن أن يتوقف لدى أمور تافهة كهذه.. إن البرئ لن يضار كثيرا لو عومل معاملة المذنب.. لهذا ترون هذا المترليوز الذي تم نصبه على عجل ويمسك سلاحه جندي منبطح على بطنه وجواره جندي آخر يعد له شريط الرصاص.. بعضهم فهم ما يحدث وبعضهم لم يشأ أن يفهم.. قال الجنرال في ملل وهو يضع معطفه على كتفيه ويشير لجندي المراسلة كي ينطلق:
- اقتلوهم.. وادفنوهم هنا..

لم يصدق الجندي أذنيه.. حتى وهو يسمع صوت الطلقات لم يصدق.. حتى وهو يسمع الصرخات لم يصدق.. حتى حين قرأ تفاصيل المذبحة في تحقيقات محاكمات نورنبرج بعد سنوات طوال لم يصدق.. إن تاريخ النازي في بولندا ملئ بالمذابح.. وملئ بموضوع دفن القتلى حيث قتلوا.. لكن السماع عن الوحشية يختلف عن رؤيتها.. يختلف عن الجلوس على بعد متر من الدينامو الذي ولد كل هذه الوحشية.. وأمر بها..
في مقعده يجلس الجنرال مسترخيا هادئ الضمير كطفل غسل يديه بعد التهام قطعة حلوى.. ولم يجرؤ الجندي على اختلاس النظر إليه بينما محركات الدراجة البخارية تهدر في شوارع وارسو.. فقد آمن الآن أن هناك شيئا خارقا للطبيعة في هذا الرجل.. إن هذا الذي فعله يفوق قدرات البشر..
***************************************
حين انتهت الضوضاء وانصرف الجنود كانت وارسو كلها ترتجف خوفا.. ترتجف غضبا.. ترتجف ذهولا.. وكانت هناك حفرة واسعة.. جوار الميدان الذي جرى فيه "العمل" تم ردمها الآن بسرعة.. لكن مغزاها لم يفت على أحد.. وفي توتر وحذر راح القوم يمشون بين الخرائب التي لم تزل ساخنة يركلون الرماد هنا وهناك بحثا عن شئ ما.. أي شئ.. أحدهم انتابته الحمية فراح يصرخ مرددا هتافات ضد النازي وبعض السباب المشين حقا.. بينما تلك المرأة ذات المعطف والإيشارب والتي تراها في كل المذابح الخاصة بأوروبا الشرقية تولول على صغارها أو زوجها أو والداها.. هنا صاح أحد الرجال يسكتها..
- صمتا يا آنا فإنني أسمع شيئا ما..
وقف أربعة رجال يرهفون السمع.. فقد خيل لهم جميعا أنهم يسمعون ما هو أشبه ببكاء طفل.. هلوسة جماعية؟.. لا.. إن هؤلاء الرجال ليسوا من طراز المهلوسين.. ثم إن الصوت واضح بالتأكيد.. من أين يجئ؟.. من هنا؟.. لا.. من هنا.. بل هو من هنا حتما.. ثمة طفل حي تحت هذا الرماد الساخن.. لا ندري كيف ولا من؟.. المهم أن نخرجه من هنا حالا قبل أن ينتهي هذا الصوت الوحيد الحي وسط الجحيم.. حاولوا بأظفارهم لكن الغبار كان ملتهبا فلم يقدروا.. أحضر أحدهم رفشا وراح يزيح به الغبار يمينا ويسارا.. أخيرا رأوا يدا.. يد طفل مغروسة في الغبار.. لكنها تتحرك.. وبعد دقائق أخرجوا رأسا أشقر متسخا يحاول أن يسعل.. وأخيرا وقف الطفل على قدميه تحمله ثلاثة أذرع.. كان في أسوأ حال ممكن.. لكنه كان حيا.. تلك المعجزة التي لم يفهم أحد كيف تمت.. إلا أنهم لم يبالوا بما قد يكون في جسده من كسور وشرعوا يتقاذفونه معانقين.. مثل العنقاء التي تولد في اللهيب يخرج هذا الصبي معلنا لهم أن بولندا لم تمت..
كان اسم الصبي هو إيجور.. إيجور تاركوفسكي..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
25- أسطورة إيجور - الجزء الأول (1)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: