كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 21- أسطورة حكايات التاروت - الحكاية الثانية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 21- أسطورة حكايات التاروت - الحكاية الثانية   الإثنين فبراير 05, 2018 2:07 am

الحكاية الثانية: اللعبة.. بطولة جون ميلز..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(لنقل إن الصفقة التي أعرضها عليك لهامة جدا.. إنها تساوي حياتك ذاتها.. والثمن الذي أعرضه عليك قريب من هذا)..
*********************************
الاسم: جون ميلز.. السن: 44عاما.. المهنة: مدير شركة.. الحالة الاجتماعية: متزوج ولم ينجب.. الإقامة: نيويورك.. الهوايات: للأسف مستر جون لا يهوى سوى القمار وقد أضاع مبالغ طائلة من المال في لاس فيجاس وهذا قد أضر كثيرا بوضعه الاجتماعي والمالي وكاد يودي بزواجه إلى النهاية مرارا لو لم تكن زوجته تحبه.. إن القمار لهو مرض اجتماعي شبيه بالإدمان وكلاهما يحتاج إلى علاج نفسي صارم.. وللأسف لم يطلب ميلز علاجا كهذا.. الحالة الصحية: كما لنا أن نتوقع من ملامح وجهه فإن مستر ميلز مريض بداء عضال في كليتيه وهو منذ زمن يعيش مهددا بإنهاء إقامته في عالمنا هذا.. ولعل هذا يعزيه نوعا عن كونه لم يأت بأطفال إلى هذا العالم.. كانت الورقة الأولى هي بالفعل أول ورقة في التاروت وتمثل الجوكر-المهرج-بثيابه المزركشة يمسك بيده اليمنى عصاه واليد اليسرى ارتفع إصبعها السبابة إلى السماء بينما يطأ بقدمه كلبا شرسا.. ولم يزل العلماء حائرين بصدد هذه الورقة.. لماذا يرفع إصبعه إلى السماء؟.. هل هي آثار عقيدة التوحيد في الثقافة الإنسانية؟.. وهل هو يطأ الكلب رمزا إلى مصارعة الشهوات؟.. بعد هذا جاءت ورقة الشيطان وأمامه سيدة مذعورة تداري وجهها عنه.. ثم ورقة النجم التي تظهر امرأة تسكب الماء في البحر من وعاء فخاري والنجوم تحيط برأسها.. بعد هذا جاءت ورقة المحاكمة.. ثم ورقة الكاهنة العظمى.. كف د.لوسيفر عن تقليب الأوراق ورفع عينيه نحو مستر ميلز وقال له:
- لك أحكي ما أرى.. ما كان وما سيكون.. ولكن عساك لا تهاب الموت.. لأن الردى ينساب من أوراقك..
وهنا سمعنا ذلك الصوت المألوف يتساءل في حرج:
- معذرة.. هل توجد هنا دورة مياه؟.. إنها البروستاتا كما تعلمون!..
هتف كلارتون بصوته المعدني:
- اجلس يا كولبي ولا تكن مهرجا.. إن أحدا لن يغادر الصومعة حتى ينتهي د.لوسيفر من ممارسته..
- سأموت!..
- اجلس يا كولبي!..
وهكذا شرع د.لوسيفر يحكي ما يراه..
******************************
كان مستر ميلز يعرف جيدا نهايته المحتومة.. يعرفها منذ تأمل الطبيب صورة الأشعة وأنزل المنظار على أنفه ليتمكن من أن يحدج مريضه بعينيه الشبيهتين بسحابتين ممطرتين.. قال له كعادة الأطباء الأمريكيين في صدم مرضاهم:
- إن كليتيك معطلتان يا مستر ميلز.. وهو عيب خلقي قديم فيهما يجعلهما مليئتين بالحويصلات عديمتي النفع..
- لكني لم أشك منهما قط..
- الكلية عديدة الحويصلات قد لا تعلن عن وجودها قبل سن الأربعين.. ثمة حلول مؤقتة كما تعلم كالغسيل الكلوي ومحاولة زرع كلية.. لكن حتى نجد واحدة يمكننا القول إن حياتك مهددة بالخطر تماما..
ثم أشار إلى الباب في كياسة:
- والآن أرجو أن تسمح لي بفحص المريض التالي..
**********************************
وهكذا وبهذه القسوة عرف ميلز أن إحدى قدميه في عالمنا هذا والأخرى في عالم يخشاه بقوة كما خشيه هاملت من قبل برغم اشتياق هذا الأخير إلى سبات طويل.. سحقا للطبيب!.. قال له هذه الكلمات وذهب ليلعب الجولف.. أو قالها وذهب ليتناول الغداء.. أو قالها وذهب ليلقى حبيبته.. لم يدرك قط أنه ببضع حروف زلزل حياة إنسان.. خلخلها من جذورها فلم تعد ثمة قيمة لشئ.. الآن فقط يتذكر كفاحه للوصول إلى منصب مدير الشركة.. يتذكر محاولاته للإلقاء بشراكه حول جين حتى تحبه.. فتقبل في ليلة صيف باسمة أن تكون زوجته.. كل هذا كان هراء.. كل هذا من أجل لا شئ.. ولم يصارحها قط بما عرفه..
إن تلك العزيزة الرءوم لا تستحق أن تتألم ألما لا جدوى منه.. فقط هي لاحظت جهامته وجنوحه للصمت وفسرت الأمر على أنه مشاكل ما في العمل.. أما هو فكانت حساباته محكمة.. إنه مواظب على دفع قسط بوليصة التأمين على حياته وهؤلاء الحمقى لم يعرفوا قط أنه مصاب ب.. ماذا كان اسمه؟.. نعم.. تحوصل الكليتين الخلقي.. ولو أنه قضى نحبه بعد قليل سيكون لدى جين العزيزة مبلغ محترم من المال.. المشكلة أنه يريد لها ما هو أكثر..
*******************************
في ذلك الوقت اندمج أكثر في القمار وصار أكثر ترددا على حلبات سباق الخيل وهو سلوك جد غريب من رجل يفترض فيه أن يكون أكثر تجردا وزهدا في الموبقات.. لكن ذلك كما قلنا كان داء عضالا فيه يحتاج إلى رأي الطب النفسي.. هناك بوجهه الشاحب الكئيب كان يجلس يتأمل عجلة الروليت أو أوراق اللعب أو تلاحق حوافر الخيل ويمسح قطرات العرق الباردة المتلاحقة فوق جبينه.. ويخسر.. دائما يخسر.. لكنه ككل المقامرين كان يأمل في أن تكون المرة القادمة أوفر حظا.. المشكلة هي أن هذه المرة القادمة لا تجئ أبدا.. وكان هذا هو الوقت المناسب ليظهر جيروم في حياته..
*******************************
إن جيروم كلايد لإنسان مقيت حقا.. هو مهمل كسول شديد الذاتية والإحساس بالاضطهاد مما يجعله مرءوسا سيئا لكل إنسان حتى ولو كان هذا الإنسان هو ميلز.. إن الموظف الذي يتكلم طيلة الوقت عن حقه المهضوم لهو موظف يثير الغثيان.. خاصة إذا ما كان لا يفعل شيئا تقريبا.. إن ميلز يتمنى دوما أن يطرده لكنه حقا لا يدري لماذا لا يفعل ذلك.. ربما لأن كلايد لم يكن يظهر لعينيه إلا لحظة يكون ميلز رائق المزاج أو منهمكا إلى حد أن ينسى طرده.. وكان كلايد يمارس لا شئ تقريبا في المكتب.. لا أحد يدري ما يقوم به ولا أحد يهتم.. كالثعلب العجوز يجلس أمام الآلة الكاتبة يطبع أشياء لا يعرف أحد كنهها.. يكتب خطابات لم تطلب منه.. ويسطر جداول لم يردها أحد.. ثم يذهب للغداء أو تناول القهوة ويعود ليسب ويلعن الحمقى الذين لا يدركون مدى كفاءته.. الخلاصة أنه مخلوق مقيت ولم تكن البشرية لتفقد بوفاته أكثر مما تفقده إذا توفي خنزير بري في إندونيسيا.. وفي ذلك اليوم كان ميلز في حلبة السباق يراقب الخيول ذوات الأسماء الموحية مثل لاري السريع.. مثلث برمودا.. كابوتشينو.. تهرع في الحلبة وصياح الناس يصم الآذان.. وكان هو يضع منظاره المعظم على أنفه والجريدة تحت إبطه مراقبا ما يحدث.. لقد راهن على جواد يدعى سومبريرو.. وهذا الجواد متفوق يتمتع بكل خواص النجاح فيما عدا عيبا واحدا هو أن ميلز قد راهن عليه.. وبالتالي صارت خسارته مؤكدة!.. وبالفعل أصيب الجواد بالبله والعته والشلل الرعاش في ثوان وصار هو الأخير في المضمار.. أنزل ميلز منظاره وتثاءب ونظر إلى الساعة.. هل عساه يراهن على جواد خاسر آخر أم يعود إلى البيت؟.. وهنا شعر بيد ثلجية تلمس ذراعه..
- نهارك سعيد يا مستر ميلز!..
كان هذا هو كلايد الذي بدا له منفرا أكثر من أي وقت مضى.. كان قصير القامة منحنيا للأمام كالقرد.. ورأسه الأصلع يلتمع في ضوء الشمس بمادة زيتية كريهة.. وكانت أسنانه النخرة تفضح أعواما طويلة قضاها في التدخين واحتساء القهوة..
- لم أعرف أنك هنا..
قال ميلز في تحفظ:
- أحيانا أجد نفسي راغبا في قتل الملل..
- أنا كذلك.. لقد راهنت على سومبريرو مثلي.. وكالعادة خسر.. مرحبا بك في نادي الخاسرين يا سيدي!..
هز ميلز كتفيه عازما على الرحيل بدون تعليق لكن الرجل أوقفه بجذب كمه.. يالها من وقاحة!.. ماذا يريد هذا المخبول؟..
- أريد أن نجلس معا ونتحدث.. هل تمانع؟..
- لا أرى ما..
- أرجوك يا سيدي.. لسوف أقدم لك عرضا لا يرفض..
- إذا كان الأمر كذلك لربما كانت الكافتريا مناسبة..
*************************************


- إن كلانا مقامر بالفطرة يا مستر ميلز..
كانت هذه هي العبارة الافتتاحية التي بدأ بها كلايد كلامه وكان هذا شبيها بأن تبدأ القصيدة بكفر صريح.. فهب ميلز محنقا يوشك على الرحيل.. لولا أن دعاه كلايد إلى الجلوس فالهدوء لأن ما سيقوله سيثير اهتمامه حتما..
- إذن تكلم..
صب الرجل لنفسه بعض القهوة وقال:
- من المفهوم لي يا سيدي أنك رجل مريض تماما..
- من قال هذا الهراء؟..
- إنني أعمل لديك وأدخل مكتبك أحيانا ولا يعدم الأمر أن أجد تقريرا طبيا أو نتيجة تحليل من حين لآخر..
صعد الدم إلى رأس ميلز:
- أنت تتجسس عليّ إذن يا كلايد!..
رشف كلايد قهوته في استمتاع.. كان من الذين يجدون أروع اللذات في أن يكرههم الآخرون فقال:
- لا يهم المصطلح الذي تستعمله.. سمه تجسسا.. سمه اطلاعا على بواطن الأمور لكن النتيجة واحدة..
تنهد المدير التعس في استسلام.. سيصغي لهذا الوغد بعض الوقت ثم ينهض غاضبا ويطرده من الشركة أول شئ غدا:
- حسنا.. قل عرضك اللعين..
قال كلايد وهو يضع بعض مبيض القهوة على قدحه:
- لنقل إذن إنني أملك ما تريده أنت.. أنت بحاجة إلى كلية وأنا أملكها..
- لحظة أيها المعتوه.. إن توافق الأنسجة..
- هذا هو أجمل ما في الموضوع.. لقد هيأت المصادفة أن أكون أنا من نفس فصيلة الدم وذات نوعية الأنسجة.. لقد قرأت نوعيتها على التقرير الطبي الخاص بك.. وإنه لنوع نادر حقا لكني أعرف أنني أملك نفس الشئ..
- وهل من المعتاد أن يعرف كل إنسان نوعية أنسجته؟..
- طبعا.. فأنا أجريت فحص الأنسجة كي أتبرع بكليتي من أجل المرحومة زوجتي.. لكنها ماتت قبل أن..
وسالت دمعتان من عيني الوغد مسحهما وأخرج منديلا كبيرا قذرا تمخط فيه ثم عاد يرشف القهوة.. تساءل ميلز في غل:
- أنت تعرض عليّ ما لم أطلبه..
- بالعكس.. إنني أمنحك فرصة الحياة والاحتفاظ بكل ما قد حققته.. إن هذا يعني المزيد من الأفراح والمزيد من الرحلات إلى هاواي والمزيد من المال والمزيد من المضايقات لموظفيك..
ثم نظر بعيني الثعلب إلى عيني ميلز:
- لن تجد كلية مماثلة بسهولة..
ولم يكن ميلز محتاجا لسماع هذا.. فهو يعرف جيدا أنه لا توجد كلية متوافقة نسيجيا معه حتى الآن.. لقد طال انتظاره كثيرا دون جدوى.. حتى ظن أنهم في مركز رعاية الكلى قد نسوا رقم هاتفه.. وجلسات غسيل الكلى أو ترويق الدم لم تعد محتملة أكثر من هذا.. لهذا انتقل للخطوة التالية:
- كم تريد مقابل كليتك اللعينة هذه؟..
ابتسم كلايد ابتسامة الأب الذي يسمع لغو طفله:
- إن كلايد يا سيدي لا يبيع كليته لمال العالم بل يبيعها لأنه يريد ذلك.. وبمقابل مختلف عما تظنه..
- إذن ماذا تريد بالضبط؟..
أخرج الرجل ورقة وخط عليها بضع كلمات ثم ناولها إلى المدير ودون كلمة أخرى أخرج ورقة مالية دسها تحت فنجان القهوة ثم نهض مسرعا لينصرف.. وقبل أن يرحل هتف:
- تعال إلى هذا العنوان في تمام الثامنة مساء إذا ما كان الموضوع يعنيك حقا..
*********************************
الثامنة مساء إلا الثلث.. وميلز في غرفة نومه بداره يربط رباط عنقه أمام المرآة.. ثم يذهب إلى الخزانة فيتناول مسدسه.. يدس فيه بضع طلقات ثم يضعه في جيب السترة من الداخل.. ثم يخرج إلى الردهة فيلثم زوجته طالبا منها أن تتمنى له حظا هو أحوج ما يكون له..
- إلى أين أنت ذاهب بالضبط؟..
- ذاهب لزيارة.. صديق حميم..
ثم يتركها ويستقل سيارته البويك السوداء ينهب بها الطرقات إلى العنوان الذي خطه له كلايد على الوريقة.. لماذا شعر بالقلق؟.. لماذا أخذ المسدس معه؟.. لا يدري حقا.. لكنه شعر بالتوجس من هذه الصفقة التي لا يستعمل فيها المال.. حين ينتهي الحديث عن المال في المعاملات التجارية يبدأ الحديث عن الدم أو الشرف أو أي شئ آخر وهذا النوع من المعاملات يحتاج إلى أن يكون المرء مسلحا قلقا.. حي قذر من أحياء نيويورك هو حيث يقف تجار المخدرات في الظلام ينتظرون مرضاهم ليزيدوهم رهقا.. وفتيات الليل يرحن هنا وهناك.. على حين يقف الزنوج جماعات يقطعون الطريق على المارة ملوحين بمداهم.. وفجأة تمر سيارة الدورية بأضوائها الملونة التي تمسح أرجاء الشارع فيختفي كل هؤلاء كأنما هي عصا ساحر.. هو ذا العنوان المذكور.. منزل حقير عتيق مدخله في زقاق خلفي ملئ بأوعية القمامة التي تتشاجر فوقها القطط السوداء المشعثة وثمة رجل سكير يمسك بزجاجة صغيرة من الكحول يرقد على الأرض في شبه غيبوبة.. للحظة شعر ميلز أنه في فيلم سينمائي يمثل الحياة السرية لمدينة نيويورك.. وفي توجس أغلق سيارته وصعد الدرج المهدم قاصدا شقة موظفه كلايد..
**********************************
- مرحبا بك يا مستر ميلز..
قالها الرجل وهو يفتح له الباب.. ثم قاده عبر صالة عطنة الرائحة إلى مائدة خشبية عتيقة جوار النافذة..
- أرجو أن تجعل نفسك مستريحا..
وبالفعل استراح ميلز على مقعد من الخشب الجاف.. وجذب كلايد مقعدا آخر ليجلس على الطرف الآخر من المائدة وأراح كوعيه عليها ورفع ساعديه عاقدا أنامله تحت ذقنه غير الحليق أو الحليق بموسى عمرها قرنان.. وفوق رأسيهما كان هناك مصباح كهربي يتدلى من سلك طويل إلى ارتفاع شديد الانخفاض مما ألقى ظلالا غير محببة على الإطلاق على وجهيهما.. بعد دقائق من الصمت بدت كما يقول الكتاب دائما كأنها دهور.. قال ميلز في نفاد صبر ممزوج بالرعب:
- هيا.. قل عرضك..
تعود الابتسامة اللزجة إلى وجه كلايد ويقول:
- لنقل أن الصفقة التي أعرضها عليك هامة جدا.. إنها تساوي حياتك ذاتها.. والثمن الذي أعرضه عليك قريب من هذا..
- تعني حياتك أنت؟..
- إن كلينا مقامر يا مستر ميلز يعاني من إدمان هذا الداء العضال..الرغبة المجنونة فيما هو أكثر.. العجز عن التوقف في اللحظة المناسبة.. والحاجة إلى الشعور بالخطر.. أليس كذلك؟..
- لا أفهم ما ترمي إليه..
مد الرجل يده لجيبه وأخرج شيئا رماه على المائدة.. كان مسدسا قبيحا من النوع ذي الساقية الدوارة..
- ما هذا يا مستر ميلز؟..
- مسدس..
- هل تعرف الروليت الروسي؟.. المسدس الذي لا يحوي في خزانته سوى طلقة واحدة ويتبادل المتبارزان تصويب المسدس إلى رأسيهما وضغط الزناد حتى تأتي الطلقة من نصيب أحدهما؟.. أنا أعرض عليك الآن نوعا من هذا الروليت الروسي..
هب ميلز غاضبا وقد تصاعد الدم إلى رأسه:
- إذن المسألة هكذا.. أنت قد جننت تماما وتتوقع مني أن أشاركك هذا العبث.. اسمح لي أن أقول..
رفع الرجل عينيه الشبيهتين بعين القط نحو ميلز وغمغم بصوت لا انفعال فيه:
- هلا تركتني أواصل كلامي يا مستر ميلز؟.. أنا لن أشترك في هذه اللعبة.. أنت من سيمارسها أمامي لتسليني.. فلئن نجوت من أربع طلقات متتالية فزت بكليتي التي سأكتب لك إقرارا بتبرعي بها قبل البدء.. ولئن هلكت فإنني سأرتب الأمر ليبدو كأن هناك من قتلك في هذه الأحياء الإجرامية وهكذا تنال زوجتك بوليصة تأمينها كاملة!..
ببطء جلس ميلز لاهثا متسع العينين.. خيط من العرق البارد ينساب على جبينه ويفعم لسانه بمذاق الملح..

خرجت الألفاظ متهدمة متخاذلة:
- أنت.. مجنون.. تماما..
- ربما..
- وماذا تستفيده أنت؟..
- أستفيد لذة التوتر والإثارة - واتسعت عيناه - وأستفيد تعذيبك وأنت تعرف أنني لم أحبك قط يا مستر ميلز كما أنك لم تمل لي لحظة..
- وما هو الضمان أنك تبر بوعدك لو أنك خسرت؟..
- أنا لم أمتنع يوما عن دفع خسائري.. وعلى كل حال سأكتب لك كمبيالة بأي مبلغ تريد.. أستردها بعد إجراء زرع الكلية.. كما سأعطيك إقرارا موقعا مني بالتبرع..
- وكيف أعرف أن كليتك تصلح حقا؟..
مد كلايد يده إلى جيبه فأخرج رزمة من الأوراق البالية ناولها له وقال:
- خذ وقتك في دراسة هذه التحاليل.. إنها تثبت دون شك أن كلامي صائب.. إن عليها توقيع أطباء محترمين لا شك في كلامهم.. دعك من أن حالة الأوراق الرثة تدل على أنها معي من زمن ولم أزورها خصيصا لك..
مد ميلز يدا مرتجفة نحو الأوراق ثم أحجم.. من الجنون أن يساير هذا المجنون.. من الخطأ أن.. ثم عاد يفكر.. من يدري؟.. لربما كان هذا هو الصواب بعينه.. الحقيقة أن غريزة أخرى تحركت في دمه:غريزة المقامرة التي لم يعبر عنها أديب قط مثلما عبر عنها العبقري الروسي دستويفسكي في روايته المقامر.. كان العرض مغريا لكنه لم يستطع قبوله..
- يمكنك أن تبدأ الآن يا مستر ميلز.. أو خذ وقتك في التدبر وعد إليّ أي يوم تريد في هذه الساعة..
نظر ميلز إلى الرجل بعينين زائغتين ولم يقل شيئا..
*****************************
مستحيل أن أقبل.. من أدراني أن هذه ليست ألعوبة قذرة من رجل يرغب في إذلالي أو الخلاص مني؟.. لكن الحل سيكون عادلا.. حل المشكلة سيوضع في كف الحظ.. ولسوف يلقي الحظ النرد.. وسأكون الرابح في الحالتين.. إما حياة صحية بلا متاعب.. وإما موت سريع يريحني ويمنح امرأتي الثراء.. وحين عرض التقارير الطبية على طبيبه ذي العينين الغماميتين كان يتمنى أن يخبره الرجل أن الكلية لا تصلح.. ولكن..
- مرحى.. كيف وجدت هذا المتطوع؟.. إن كليته تناسبك كأفضل ما يكون.. وإنك لمحظوظ يا صديقي إذ وجدت الواحد في المليون الذي تناسبك كليته والذي يقبل منحك إياها!.. كم ستدفع لهذا الرجل الكريم؟..
نظر ميلز إلى الطبيب مبلبل الفكر ثم غمغم:
- لا شئ.. سألعب معه لعبة صغيرة!..
******************************
قال د.لوسيفر وهو يتأمل أوراق التاروت المبعثرة أمامه:
- وهكذا يا مستر ميلز.. سمعت عن قدومي إلى نيويورك.. وهأنتذا قد جئت إلى صومعتي كي تسألني عن رأيي... هل قلت كل ما يدور في ذهنك؟..
تحشرج صوت الرجل وابتلع ريقه بصوت مسموع:
- نعم.. كنت دقيقا يا سيدي..
- الحق أقول لك يا مستر ميلز أنك لفي ورطة.. لكن التاروت يقترح الحل الصحيح للمشكلة و..
دوى الصوت:
- أرجوكم .. البروستاتا!..
- صه!.. لا يقاطعني مقاطع حتى أفرغ من هذا..
وبدأ د.لوسيفر يحكي بقية القصة..
*******************************
في الثامنة من أحد الأيام ستذهب إلى دار كلايد يا مستر ميلز.. نعم أعرف أنك ستفعل لأني أفهم تكوينك النفسي جيدا.. ولكن دعنا نر ما سيحدث.. إن الرجل يرحب بك في حماس ويدعوك إلى الجلوس على المائدة إياها.. وفي هذه المرة يحضر ورقتين.. يكتب على الأولى كمبيالة بخمسين ألف دولار ويوقعها ويمنحك إياها.. وعلى الثانية يكتب إقرارا بأنه يتبرع لك بكليته.. وهنا تخطر لك الفكرة.. لماذا يظن هذا الأحمق أنك غير قادر على أخذ الورقتين والانصراف ثم الضغط عليه كي يقبل؟.. هكذا دون أية تضحيات من أي نوع؟..
لكن الرجل يقرأ ما يدور في نفسك من أفكار وترى المسدس في يده مصوبا نحوك.. مسدسا غير الذي ستجري به اللعبة:
- مستر ميلز.. إنك رجل شريف ملتزم بكلمتك فلا تحاول أن تخدعني.. هذا المسدس محشو بالكامل وسأطلقه عليك دون تردد لو حاولت أن تفر.. وبعد انتهاء اللعبة - لو ظللت حيا - لن أقلق من احتفاظك بالورقتين لأنك أنت من سيطاردني وقتها مطالبا إياي بالوفاء بالتزامي..
وهكذا تجلس إلى المائدة يا مستر ميلز وقد فهمت أن الرجل أذكى مما ظننته فيه.. ويحضر لك المسدس ذا الساقية الدوارة ورصاصة واحدة.. فتقوم بتعبئتها.. ثم تناوله المسدس كي يقوم بتدوير الساقية عدة دورات حتى يختلط عليك الأمر.. بعدها يقول لك وهو يناولك المسدس:
- ستجرب أربع مرات.. لست ملما بقانون الاحتمالات كي أحدس احتمالات وفاتك.. لكني أقول لك إن فرصة العثور على الرصاصة لا بأس بها.. بالطبع لن تجرب ست مرات وإلا كانت فرصة العثور على الرصاصة مائة في المائة.. هل أنت مستعد؟.. إذن ابدأ!..
الأدرينالين يتصاعد إلى أذنيك ورأسك.. أطرافك باردة كالثلج.. قلبك راجف واجف.. الآن فقط تدرك معنى الخطر.. لكن شيئا من اللذة يغمرك وسط هذا.. كلايد أيضا سيبدو راضيا.. ويرتجف نشوة وقد جرفته حمى المخاطرة.. والآن ترفع فوهة المسدس إلى رأسك و.. كليك..
- الطلقة الأولى!.. إن احتمالات موتك تتزايد!..
ترى كيف سيكون الشعور بطلقة رصاص تمزق مخك؟.. بالتأكيد لن تحس بشئ.. فقط يختفي هذا العالم وتجد ذاتك في عالم آخر.. لكنك خائف.. خائف.. وفي بطء ترفع الفوهة إلى رأسك وتضغط الزناد مغمضا عينيك.. حتى كلايد ذاته أغمض عينيه.. كليك!.. لقد نجوت من نصف الاحتمالات فكيف يكون نصفها الآخر؟.. ودون أن يطلب منك الرجل ذلك ترفع الفوهة مرة ثالثة إلى رأسك وتضغط الزناد..
...................................
وأمام عيوننا المذهولة شرع د.لوسيفر يجمع أوراق التاروت من فوق المائدة المسدسة ويعيد خلطها..
- أ.. د.لوسيفر.. ماذا حدث بعد ذلك؟..
- في ماذا؟..
- في هذه القصة؟..
- آه.. لقد انتهت عند هذا الحد!..
هتف ميلز في حنق وهو يزحف على ركبتيه ليدنو من المجري النصاب متسائلا:
- لم أفهم.. هل سأموت أم لا؟.. أنا لهذا جئت..
بلا مبالاة قال لوسيفر:
- يمكن القول إنك لم تمت.. فورقة الموت لم تظهر.. لقد انتهت أوراقك بورقة الكاهنة العظمى التي تشير إلى أن الموت هو نهاية كل كائن حي لكنها لا تشير إلى موتك بصفة مباشرة..
- ومعنى هذا؟..
- أنصحك أن تخوض هذه التجربة.. فلا يوجد خطر داهم عليك..
وساد الصمت على حين ازداد ميلز شحوبا..
- والآن من التالي؟..
رفع هاري - ذلك المخبول - يده.. كان مدفوعا بطبيعته القتالية الميالة إلى التحدي.. فناوله د.لوسيفر الأوراق ليخلطها بمعرفته.. وكانت هذه هي الحكاية الثالثة..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
21- أسطورة حكايات التاروت - الحكاية الثانية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: