كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 21- أسطورة حكايات التاروت - الحكاية الأولى

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 21- أسطورة حكايات التاروت - الحكاية الأولى   الإثنين فبراير 05, 2018 2:06 am

الحكاية الأولى: ماذا أصاب لويز؟.. بطولة ليليان مازورسكي..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(لقد كان الجواب قريبا منك يا سيدتي لكنك لم تفهمي قط)..
*************************
الاسم: ليليان مازورسكي.. السن:56عاما.. المهنة: سكرتيرة سابقا.. الحالة الاجتماعية: أرملة وأم لثلاثة.. الإقامة: نيويورك.. الجنسية: أمريكية لكن أصولها تعود إلى بولندا وقد نزح أبوها إلى الولايات المتحدة عام 1902 وهو عامل طباعة أصلا.. الهوايات: إن مسز مازورسكي اجتماعية جدا وتهوى صحبة البشر وفي هذه الأمسية اصطحبتها صديقة ابنتها لويز لتقابل هؤلاء القوم الخارقين للعادة.. بالإضافة لذلك هي تهوى سماع موسيقا العشرينات وأغاني نات كنج كول.. قال د.لوسيفر وهو يرتب الأوراق أمامه:
- والآن دعينا نر يا مسز مازورسكي..
أجفلت المرأة حين سمعت اسمها.. ولم أر في هذا معجزة ما.. فمن أسهل الأمور أن تعرف أسماء المدعوين إلى حفل.. كانت الورقة الأولى هي ورقة (الساحر).. تمثل ساحرا يقف أمام مائدة عليها أشياء عديدة.. [فيما بعد عرفت أن هذه الورقة تشير إلى المهارة والثقة بالنفس بينما يرى أنطوان كورت الفرنسي أنها ترمز إلى القرن الأول للديانة المسيحية على حين يرى علماء النفس أنها ترمز لانبثاق الأنا في النفس البشرية].. الورقة الثانية كانت (المشنوق) وكالعادة تمثل شابا معلقا من قدمه اليمنى إلى المشنقة وتشير هذه الورقة إلى الاستسلام والتضحية بالنفس.. الورقة الثالثة هي (القوة) وتمثل رجلا يصارع أسدا.. ثم جاءت ورقة (العالم).. ثم ورقة (المحاكمة).. وأخيرا جاءت الورقة المشئومة : (الموت).. يظهر فيها هيكل عظمي يمسك بمنجل يحصد به الرؤوس.. وفيما بعد عرفت أن هذا الرسم المميز للموت في خيال الانسان إنما استمد أساسا من أوراق التاروت وعرفت كذلك أن رقم هذه الورقة الكئيبة هو (13).. دائما هي الورقة الثالثة عشرة.. اتسعت عينا المرأة ذعرا إذ رأت هذه الورقة.. هتفت في د.لوسيفر:
=هلا أوضحت لي ما معنى هذا؟!..
نسق د.لوسيفر الأوراق بترتيبها الذي خرجت به ثم قال:
- لو أننا تتبعنا رأي علماء النفس في هذه الأوراق يا سيدتي لقلنا إنك تعانين من إحساس بالذاتية جد مفرط مما يضطرك إلى التضحية لتتأقلمي مع المجتمع وعندئذ تتكاملين روحيا مع العالم وتولدين من جديد وتنتهي خشيتك من الموت.. ثم ابتسم ابتسامته الكريهة وأردف:
- لكننا لسنا بصدد علم النفس هنا.. السحر يا سيدتي هو اسم اللعبة.. فأصغي جيدا لما سأقول..
******************
في هذا اليوم -الذي حتما مر بها منذ أيام- عادت مسز مازورسكي إلى دارها شاعرة بالحنق.. لقد كان يوما نحسا كله.. فحين ذهبت إلى السوبرماركت لم تجد كيس النقود معها وخرجت منه لتجد ورقة مخالفة على زجاج سيارتها الصغيرة لأنها وقفت في الممنوع.. تصاعد الدم إلى رأسها وتراجعت بالسيارة إلى الوراء.. طبعا لتكسر رفرف السيارة الواقفة خلفها.. وخرج صاحب السيارة يسب ويلعن متسائلا عن القانون الذي يسمح لهؤلاء العجائز المتصابيات بقيادة سياراتهن في قلب نيويورك محطمات سيارات البسطاء الأبرياء الذين لا وقت لديهم لهذا الهراء.. المهم - نوجز القول- اضطرت البائسة إلى كتابة شيك لهذا الرجل الذي ينفجر غضبا.. ثم إنها رأت أن اليوم قد حقق ما يكفي من النحس فالسياسة المثلى الآن هي العودة إلى الدار فاحتساء كوب من اللبن فالنوم قبل أن تحدث كارثة أخرى.. وهكذا - ترون- عادت السيدة مازورسكي إلى دارها.. وهنا نلاحظ عدة أشياء بخصوص هذه السيدة: أولا: هي تعيش في ضاحية نائية بعيدة عن قلب المدينة.. ثانيا: لا يوجد جيران قريبون على بعد ميلين.. ثالثا: هي ليست وحيدة في دارها لأن معها ابنتها لويز وهي آخر من بقي من الأسرة بعدما تزوج مارك ونزح إلى أوهايو وبعد ما تزوج بوب ونزح إلى كاليفورنيا..
*************************
هنا كف د.لوسيفر عن سرد القصة والتفت إلى مسز مازورسكي التي شحب وجهها وتساءل في كياسة:
- هل كل شئ دقيق حتى هذا الجزء؟..
- لا بأس.. استمر إذن..
وعاد د.لوسيفر يواصل قصته..
لم تكن لويز في الدار لأنها خرجت مع صديقتها الجديدة هارييت.. هكذا عرفت الأم حين قرأت الستيكر الملصق على الثلاجة.. انتزعته في غل وهشمته بين أناملها ثم فتحت الثلاجة وأخرجت دورق اللبن وصبت لنفسها كوبا كبيرا باردا.. منذ أن دخلت هارييت في حياة لويز لم تعد لويز هي هي.. فتاة السبعة عشر عاما الرقيقة المرهفة التي تعزف البيانو وتقرأ الشعر ليلا قد أصابها تغيير ما.. إن لويز نحيلة ترتدي منظارا وثيابها كلاسيكية محتشمة راقية.. أما هارييت فصاخبة حمراء الشعر ترتدي أي شئ وكل شئ.. ومن المؤسف أن الأم لم تجد قط لديها الشجاعة كي تطردها أو تأمرها أن تترك ابنتها وشأنها.. ومن يومها تخرج لويز كثيرا.. وتتأخر عن الدار كثيرا.. وحين تعود لا تكف موسيقا الروك آند رول الصاخبة الشنيعة عن الدوي في حجرتها مرددة أسوأ أغنيات فريق هو أو غيره من أسماء هؤلاء الشياطين الذين يسمون أنفسهم فرقا.. وكانت الأم تشعر بارتياح شديد لصديقة ابنتها ماري التي تناسب طباعها إلى حد كبير.. ولم تكن تريد من لويز سوى أن تمضي مع ماري فترات أطول..
*******************************
ثم إن د.لوسيفر نظر باتجاه الفتاة الجالسة معنا وتساءل:
- هل أنا مخطئ في هذا يا ماري؟..
أبعدت الفتاة خصلات شعرها التي تغطي نصف وجهها وقالت:
- لا.. استمر أرجوك..
*******************************
إلى هنا والقصة عادية تماما.. مَن من الآباء هنا لم يمر بها وهو يتعامل مع ابن في سن المراهقة؟.. إن الأصدقاء قد يكونون شعلات من نار ما إن تضع ابنك بينهم حتى يحترق.. وقد يكونون قدحا من جليد ما إن يلامسهم ابنك حتى يتجمد.. الخلاصة أنه لن يكون بمعزل عنهم أبدا وواجبك كأب أن تنتقي له الأصدقاء معتدلي الحرارة حتى لا يتجمد أو يحترق.. تلكم الخواطر دارت ولابد في ذهن الأم فوجدت نفسها تسكب الحليب ثم تنتزع ثيابها ذاهبة إلى الفراش وقد أحست بأنها عازفة عن أكل أي شئ.. إن الفارق الزمني المهول بينها وبين ابنتها -أكثر من أربعين عاما- يجعل أي احتمال للتفاهم بينهما مستحيلا.. كان من الأوفق لها أن تكون جدتها وهي نفسها لا تدري سر الظروف التي قادتها إلى الحمل في الأربعين من عمرها.. حتى أنها ظلت ترتقب في هلع أن تولد ابنتها مصابة بتخلف عقلي أو عيب خلقي مروع.. لكن شيئا من هذا لم يحدث والحمد لله..
*******************************
صوت الباب ينفتح.. صوت خطوات ابنتها تنسل إلى الداخل.. هرعت حافية القدمين إلى مدخل الدار وهتفت في ابنتها:
- ألن تتناولي عشاءك؟..
تعمدت ألا تلقي تحية المساء أو تعلن عن وجودها كي تحافظ على كونها مرعبة للفتاة.. ورسمت على وجهها تعبير حزم مسرحيا فالحقيقة المؤسفة هي أنها لم تستطع قط أن تكون حازمة مع طفلتها..
- تناولته بالخارج..
قالتها الفتاة.. شاحبة.. غريبة الأطوار مبعثرة المنظر قليلا.. ثم إنها هرعت إلى غرفتها دون إضافة أخرى.. في هذه المرة لم تحتمل مسز مازورسكي هذا الذي يحدث كل ليلة تقريبا.. هرعت إلى غرفة الفتاة بدورها وفتحت الباب بعنف لتجد ابنتها واقفة أمام النافذة تنظر عبرها إلى الليل المظلم بالخارج.. صاحت في عنف:
- لويز!.. ماذا دهاك بالضبط؟.. هل أنت واثقة أنك بخير؟..
ودون أن تدير الفتاة ظهرها..همست:
- أرجوك ألا تشغلي بالك بي..
لكن مسز مازورسكي كانت في غاية الانشغال بالفعل.. منشغلة منذ زمن سحيق.. منشغلة إلى حد إجراء تحريات واسعة عن ابنتها.. منشغلة إلى حد تفتيش حجرتها ركنا ركنا.. منشغلة إلى حد كشف القميص عن معصمها ليلا بحثا عن آثار إبر فهي لم تكن واثقة من أن ابنتها لا تتعاطى شيئا ما.. هي قد قرأت مرارا أن المراهق مدمن المخدرات يحرص على ارتداء أثواب شتوية في الحر ليغطي معصمه بها.. والوقت كان صيفا.. وبرغم ذلك ترتدي لويز قميصا طويل الكمين..
- إلى أين ذهبت أنت وهارييت؟..
- لا شئ.. ذهبنا إلى السينما وزرنا بعض الصديقات.. كان كل هذا مملا..
- ومتى تناولت العشاء إذن؟..
- ليس عشاء بالمعنى الحرفي.. بعض البطاطس المحمرة وكولا..
إذن قد حان الوقت للعب دور الأم الحانية:
- سأعد لك العشاء.. ولسوف تأكلينه..
- ولكن أنا لا..
- لويز!.. من فضلك افعلي شيئا من أجلي.. شيئا واحدا..
وإلى المطبخ ذهبت مسز مازورسكي فأعدت بعض الكبد مع البصل.. ياليت زوجها بول كان هنا.. إن سلطة الأب لشئ شديد الأهمية لا تشعر به سوى الأمهات.. تماما كما أن عناية الأم شئ هام لا يفهمه إلا أب يحاول تغيير الكافولة لطفله.. كان بول يفهم هذه الأمور.. ومن يدري؟.. لربما كانت واهمة في ظنونها.. لربما ابنتها تمر بأزمة نفسية عابرة وهي في سن يشعر جيدا بالحرمان الاجتماعي.. نعم.. هي بالتأكيد في حاجة إلى رأي طبيب نفسي أو خبير تربوي.. إن هذا الذي يحدث ليس.. آي!.. وفي جزع تأملت الجرح في إصبعها.. لقد مزقته السكين تمزيقا.. والدم يسيل على رخامة المطبخ.. هتفت لويز في هلع:
- مامي!..هل جرحت نفسك؟..
ثم إنها تقدمت من أمها وأمسكت إصبعها.. متى دخلت المطبخ؟.. إن الأم لا تذكر شيئا من هذا.. المهم أنها أمسكت إصبع الأم وفي رفق وحنان شرعت تمص الدم من عليه وهو مشهد ألفته الأم جيدا ولم تندهش له.. ما أثار دهشتها هو التلذذ الواضح في ملامح لويز.. هو البريق الغامض في العينين.. كأنها قطة تلعق اللبن في رضا.. ودون كلمة أخرى انتزعت الأم إصبعها.. وإلى الحمام جرت لتأخذ من الصيدلية قطعة من البلاستر.. وهي عائدة إلى المطبخ كانت لويز جالسة أمام طبق الطعام تلتهمه في جوع واضح.. وتقول لها:
- يجب أن تكوني حذرة يا ليلى..
- اسمي مامي.. وللمرة الألف أقول لك إنني امرأة من الطراز العتيق.. وفي مراهقتي لم أكن أنادي أمي باسمها..
- هلمي يا ليلى.. لا تتشبثي بالألفاظ هكذا..
- اخرسي يا لويز!..
فخرست الفتاة.. ولما كان الليل قد توغل صعدت كلا المرأتين إلى غرفتيهما لتناما.. ولم تتبادلا تحية المساء بالطبع.. لكن الأم في فراشها لم تستطع أن تهدأ بالا.. صوت موسيقا الروك يتعالى من غرفة طفلتها طاردا كل احتمال للنوم.. وأخيرا تسمع صوت الستريو يغلق.. وتسمع الكليك المميزة لانغلاق النور الكهربي في غرفة الفتاة..
**************************************
الظلام الدامس.. صوت الساعة الرتيب.. صوت أنفاسها.. ولكنها تتبين صوتا آخر.. صوتا لا ينتمي لأوركسترا الليل التي ألفتها واعتادتها.. ما هو أصل هذا الصوت؟.. وما مصدره؟.. نهضت في تؤدة إلى الباب وأصاخت السمع.. فلم يكن ثمة شئ فيما سمعته.. إنه لصوت قدمين حافيتين دقيقتين تزحفان فوق الأرض.. لا داعي للمزيد من الإنصات ولتفتح الباب لترى.. بالتأكيد هما قدما ابنتها.. فاللصوص لا يملكون أقداما حافية دقيقة على قدر ما تعلم.. فتحت الباب حين كان صوت كالون الباب الخارجي ينغلق.. إذن لقد رحلت الفتاة.. ولكن لأين؟.. وفي هذه الساعة؟.. إلى مدخل الشقة هرعت.. أضاءت الأنوار كلها.. فتحت باب الشقة ووقفت تتأمل الظلام الدامس بالخارج.. تستنشق رائحة هواء الليل الصيفي المترعة بزهور البرتقال.. لا أحد على مرمى البصر.. بأعلى صوتها نادت: لوييييييييييييييييز!.. لكن أحدا لم يكن هناك ليرد عليها سوى نباح كلب من بعيد.. كأنها لمسة أخيرة يضيفها مخرج عبقري على مشهد سينمائي يصف الوحشة.. لوييييييييييييييييييز!.. كالملسوعة أغلقت الباب.. هرعت إلى حجرة ابنتها وفتحتها.. الفراش خاو ومنسق.. أي أن الفتاة لم تنم قط.. على الفراش كان هناك شئ ما.. وإذ تدقق النظر أكثر تعرف ما هو.. نظارة ابنتها التي لا ترى بدونها تقريبا.. إذن لويز خرجت.. خرجت إلى مكان لا تدري أين هو.. والأدهى أنها خرجت حافية القدمين ودون نظارة.. فكيف تستطيع أن تتبين أي شئ؟.. شرعت تتأمل الغرفة بدقة أكثر فكان أن وجدت مجموعة من الكتب.. قربت عينيها من أغلفتها لتقرأ العناوين.. يالها من مواضيع!.. (عن الأشباح).. (أنا مشيت مع زومبي).. (مصاصو الدماء يحيون).. وكانت هناك بضع مجلات على غلافها مصاصو دماء ينقضون على أعناق نسوة صارخات.. تبا لها من ثقافة!.. ما الذي يثير شغف ابنتها في هذه المواضيع الكئيبة الشنيعة؟.. هل لهذا ارتباط معين بتغير شخصيتها الواضح؟..
هل هذه هي الليلة الأولى التي تغادر فيها البيت؟.. كيف لم تستطع أن تسمعها من قبل إن لم تكن هذه أول ليلة؟.. وهنا جاء الجواب المريع في صورة خاطر غير مكتمل.. ثم صار فكرة واضحة توشك أن تغدو حقيقة.. لأن هذه هي أول ليلة تمتنع فيها عن عادتها في احتساء الحليب قبل النوم!.. نعم لا شك في هذا.. هي تجرع كوبا من الحليب كل ليلة ولم تفعل ذلك اليوم فقط بسبب تعكر مزاجها.. فهل لهذا السبب وحده لم تنم؟.. هل لهذا السبب سمعت قدمي طفلتها وهي تتسلل خارجة؟.. وهذا يعني أن هناك من يدس لها منوما في الحليب.. ولا يوجد مشتبهون كثيرون للأسف.. كان التفكير يقتلها حتى أنها عمدا ذهبت إلى المطبخ وصبت لنفسها كوبا من السائل الأبيض الدسم وقالت لنفسها:
- سأرى ما إذا كان هذا اللبن منوما فإن كان كذلك استرحت من الانتظار المتوتر وإن لم يكن كذلك استرحت من الشكوك.. و.. آووووووه!.. إن.. النعاس.. يغا..
لقد كان اللبن كذلك!..
******************************
- هالو.. ماري هذا أنا أم لويز.. هلا أتيت لي بعض الوقت؟..
- أكيد يا سيدتي.. هل حدث شئ ما؟..
- لم يحدث بعد.. لكني أعرف أنه سيحدث..
ووضعت سماعة الهاتف بانتظار ماري صديقة عمر لويز.. إن ماري لفتاة متزنة عاقلة لكنها حين جاءت لم يكن لديها الكثير لتقدمه للأم.. فقد نأت لويز بجانبها عنها ولم تعد تزورها أو تكلمها هاتفيا.. إن الصداقة لا تشترى ولا تطلب ولقد أحست الفتاة بأنه لم يعد لها مكان في حياة صديقتها.. فابتعدت في كياسة وصمت..
- وماذا عن هذه ال(هارييت)؟..
حدقت الفتاة في أظفار يديها وغمغمت:
- حمقاء هي.. غير متزنة.. لكن لها مغناطيسية خاصة.. وكل من يتعامل معها يمر بهذا الطور المريب.. لقد حاولت أن تضمني إلى سلسلة مفاتيحها لكني أبيت.. الحق أنها فتاة مرعبة!..
- ولماذا هي مرعبة؟..
- لا أدري.. عاداتها.. شاحبة الوجه جدا.. تحب الليل والظلام.. أنا لم أرها في ضوء النهار قط..
قالت الأم وقد تذكرت الكتب التي وجدتها في غرفة ابنتها:
- وهل لديك فكرة عما يفعلن حتى ساعة متأخرة من الليل؟.. هل لديك تفسير لخروج لويز وحيدة بعد منتصف الليل؟..
- لا أدري يا مسز مازورسكي.. ربما هي مصابة بداء المشي في أثناء النوم..
- لم تشك منه طيلة عمرها..
- ألم تسأليها عن سبب خروجها؟..
- بلى سألتها في الصباح حين أفقت من إغماءتي..
وتذكرت مسز مازورسكي ما حدث.. في ساعة متأخرة من الصباح صعدت لغرفة الفتاة.. وجدتها نائمة في الفراش منهكة تماما.. قدماها العاريتان متسختان بالوحل الجاف الذي سارت فوقه ليلا.. لهذا تتسخ ملاءاتها سريعا.. تحت عينيها هالتان سوداوان قبيحتا المنظر.. وكالعادة أغلقت كمي قميص نومها وعنق ثوبها بإحكام شديد كأنها تداري شيئا ما.. مدت الأم يدها وفتحت الزر الذي كان يغلق كم القميص ورفعته لأعلى لتتأمل الساعد الناحل.. لم تكن هناك آثار إبر.. ولكن كان هناك ثقبان دقيقان متباعدان في لحم الذراع كأنما نجما عن نابين حادين.. نابين حادين؟!.. وبدأ جلد ذراعي الأم يتصلب.. لماذا لم تعد لويز ترتدي الأيقونة حول عنقها؟.. لماذا انتزعت ستائر الغرفة البيضاء وجعلت أمها تضع بدلا منها ستائر زرقاء سميكة؟.. لماذا لم تعد تستحم؟..
*******************************
كان البروفيسير هندريكس موحيا بالثقة إلى حد كبير إذ جلس واضعا ساقا على ساق يصغي لكلام الأم ويرمقها بعينين زرقاوين لا تطرفان.. كان طبيبا نفسيا لكنه مولع كذلك بعالم الخوارق ويقبل قصص الأشباح دون تشنج كبير.. سألها إذ فرغت من قصتها:
- هل كفت لويز عن الاستحمام؟..
- نعم..
- هل تنام أكثر النهار وتسهر الليل كله؟..
- نعم..
- وهل رفضت أن تأتي معك إليّ؟..
- نعم..
- لو أننا أخذنا رأي الطب النفسي في هذا لكان لدينا احتمالان..
وفتح إصبعيه السبابة والوسطى ليعد عليهما:
- الاحتمال الأول: هو تفاعل هستيري لضغوط تحيط بابنتك.. الاحتمال الثاني: هو أن ابنتك قد أدمنت عقارا ما..وعندئذ كنت ستلاحظين العلامات المعتادة: أكمام طويلة - آثار إبر في الذراع - زكام حتى في الصيف -حكاك مستمر بفعل بق الكوكايين كما يسمونه - أشياء ثمينة تختفي من الدار - فقدان شهية..
- بعض هذه الأعراض موجود.. لكن أكثرها لم يظهر عليها..
- يبقى لدينا الاحتمال غير العلمي.. وهو أن ابنتك قد أصيبت بمس شيطاني.. إنها في سن المراهقة ومن الوارد تماما أن تمس في هذه السن..
كانت الأم قد قرأت قصة(طارد الأرواح الشريرة)لبيتر بلاتي وكادت تموت هلعا.. لكنها تعلمت الكثير عن هذا الموضوع من الرواية.. وهي كانت ميالة لتصديقه.. ربما عن رغبة خفية في أن تشعر أنها لم تذنب كأم.. لو أن ابنتها أصيبت بالهستيريا أو الإدمان لكان الذنب على رأسها.. أما الأرواح الشريرة فهي تأتي وتذهب دون قانون خاص ولا ذنب لأحد فيها.. نصحها البروفيسير أن تأخذ رأي أحد المختصين في الموضوع.. ورشح لها عالما مجريا سيأتي إلى الولايات المتحدة بعد شهر وعرض عليها أن يقدم لها دعوة إلى الحفل الذي سيحضره هذا العالم لتكريمه.. كان اسم العالم هو.. فرانتز لوسيفر..
********************************
وهنا كف د.لوسيفر عن الكلام المباح وابتسم ابتسامة مشرقة وقال لمسز مازورسكي:
- هذه هي حكايتك يا مسز مازورسكي.. وكلها مرسومة أمامي على أوراق التاروت.. فهل نسيت شيئا؟!..
ازرق وجه المرأة - أعني أنه احمر لكن في الضوء الأخضر يصير الأحمر أقرب إلى الأزرق- وبلعت ريقها..
- أنت تعرف كل شئ عن القصة.. ولكن كيف عرفت هذا من الأوراق؟..
- هذا سري الخاص.. وأنتم لهذا تسألون وأنا أجيب..
قلت له عاجزا عن البقاء صامتا:
=أعني أنه كان يجب أن تكون هناك ورقة عليها كوب لبن.. وورقة عليها فتاة نحيلة ترتدي منظارا وورقة عليها سكين مطبخ.. وإلا فكيف تحكي كل هذه القصة؟..
- لو كان التاروت بهذه البساطة لصار لعبة أطفال ولما كانت هناك درجات دكتوراة فيه..
قالها بإباء وشمم.. وأدركت أن الرجل يكرهني بعنف وأنني صرت عدوه العتيد.. سنرى بعد قليل ما سيقول عن تاروتي أنا.. في استسلام تساءلت مسز مازورسكي:
- لقد جئتك مع ماري العزيزة لنعرف منك ما ينتظرنا والحل لهذه المشكلة..
- لقد تأخرت كثيرا يا مسز مازورسكي..
- تأخرت عن ماذا؟..
- دعيني أحك لك ما سيحدث..
*********************************
قال د.لوسيفر:
- في ذلك اليوم ستعودين يا مسز مازورسكي إلى الدار عازمة على اتخاذ إجراء صارم.. ستكونين قد اتخذت قرارا بألا تنامي الليل أبدا ومنذ أيام تكفين عن احتساء اللبن ليلا لأنك لا تريدين أن تفوتك لحظة خروج ابنتك.. وبالفعل لم يحدث قط أن الفتاة خرجت منذ صرت منتبهة لما عساه يحدث.. إجراء حكيم.. والإجراء الأكثر حكمة هو انتزاع سلك الهاتف من القابس وتخبئة هذا الجهاز المقيت في خزانة ثيابك.. إلا أنك في هذا اليوم ستتخذين قرارا أكثر تطرفا.. ستغلقين الباب على الفتاة تماما.. ستختارين لها السجن الانفرادي حتى تشفى مما هي فيه.. وهكذا تتأكدين من أن بالمنزل ما يكفي من الطعام ثم توصدين الباب الرئيسي وتضعين المفتاح في مزهرية عملاقة بالردهة.. إن لويز تخرج عدة مرات في النهار.. وتخرج مرة واحدة في الليل لتعود في ساعة متأخرة.. هذا بالطبع إذا ما تناسينا خروجها الذي كان يحدث بعد نومك؟.. هذه المرة لن يخرج أحد.. لا أنت ولا هي.. ولئن كان ما تعانيه إدمانا للمخدرات فلسوف يشفيها السجن منه.. ولئن كان مسا شيطانيا فها هي معك تراقبينها طيلة الوقت وحتما ستعرفين الحقيقة..
أحيانا كان جرس الباب يدق لكنك كنت تتجاهلينه لأنك أخبرت معارفك وبائع الحليب والصحف أنك سافرت مع لويز لزيارة أخيها في أوهايو فلن يفتقدك أحد حتما.. إن كل هذا جميل.. لكن الحكمة كانت تقضي بأن تستدعي أحد أخويها ليكون معك ولعمري هذا هو الخلل الأساسي في الأسرة الأمريكية: تفككها.. لقد صار ابناك بعيدين عنك جدا وفيما عدا مكالمة هاتفية كل شهر.. لم يكن الأمر ليختلف عنه لو كانا قد توفيا منذ زمن.. ستمضين الساعات يا سيدتي تشاهدين التليفزيون.. ستعدين لها الطعام وتصعدين لغرفتها تتوسلين لها كي تأكل شيئا.. لكنها ستظل صامتة راقدة في الفراش تنظر إلى السقف بعينين زائغتين.. أحيانا ستنجحين في دس قطعة لحم أو بيضة مقشورة بين شفتيها الجافتين.. وهذا على الأقل سيبقيها حية.. لكن لنقل إنك لن تشعري براحة أبدا من كل هذا.. فأنت تتوقعين غضبا عارما هياجا.. محاولات انتحار تمنعينها في آخر لحظة.. أما كل هذا السكون والصمت فأمر لا يطاق..
**********************************
وفي يوم غير عادي ستصعدين إلى حجرتها.. وبالمصادفة لن تكون هناك وهو حدث غير عادي في الفترة الأخيرة وفرصة ذهبية لك كي تعيدي التفتيش.. ذات الكتب الرهيبة.. ذات شرائط الروك آند رول جوار جهاز التسجيل ذي البكرتين وبقايا طعام.. فتحت درج مكتبها باحثة عن كتابات خاصة بها فلم تجدي شيئا معينا سوى الأيقونة التي كانت لا تفارقها.. ونظارتها.. وهنا سترين ظلا يتحرك على الحائط فتديرين وجهك لتري ما عساه يكون هناك.. عندئذ ستجدين لويز واقفة على الباب تبتسم ابتسامة شيطانية وتسمعينها تقول لك:
- هل وجدت ما تبحثين عنه يا أماه؟..
وإذ ترين وجهها ستفهمين الحقيقة.. لقد كنت حمقاء تماما.. لم تربطي قط ما بين تغيير طباعها وتلذذها بلعق الدماء التي سالت من إصبعك.. نومها طيلة النهار وسهرها ليلا.. وخروجها تحت أستار الظلام إلى القفار.. وهارييت التي تخيف صديقاتها.. ثم الأكمام الطويلة دائما.. كانت تخفي بها أثر الأنياب في معصمها.. فلماذا؟.. الواقع يا سيدتي أن هذه هي طباع مصاصي الدماء.. لقد كان الجواب قريبا منك لكنك لم تفهمي قط.. والآن - وأنت تتراجعين بظهرك للوراء وهي تتقدم نحوك - تعرفين أنك كنت حمقاء تماما حين لم تدركي ذلك.. حمقاء حين حبست نفسك في بيت واحد مع هذا المسخ الذي يتضور جوعا.. حمقاء حين لم تصدقي كلماتي هذه.. لكن الأوان قد فات يا سيدتي.. فات للأسف..
********************************
حين انتهى لوسيفر من سرد حكايته ساد الصمت بعض الوقت إلا من صوت الأنفاس الثقيلة وحفيف أوراق التاروت بين أنامله وهو يعيد خلطها.. بعد قليل تساءلت مسز مازورسكي بصوت مبحوح:
- ومتى يحدث هذا؟..
- لا أدري.. ربما الليلة بعد عودتك من هنا..
- وكيف أمنعه؟..
- تلك مشكلتك أنت.. إنما أطلعتك على ما سيكون ولك أن تصدقي أو لا تصدقي..
همست المرأة كأنما تحدث نفسها:
- من العسير عليّ أن أصدق.. لقد تركتها في الدار الآن و.. ولكن.. بالفعل أعترف بأن تفسيرا كهذا خطر على بالي مرارا.. إن لويز تخيفني.. طفلتي البريئة التي أرضعتها من صدري تخيفني!..
ربتت ماري على كتفها.. أردت أن أقول لها إن كل هذا لن يحدث لأن لوسيفر هذا نصاب بالتأكيد.. لكنني وجدت أن الأصوب هو أن أنتظر ريثما تنتهي هذه الجلسة المشؤومة..
- من التالي؟..
دوى صوت الببر ناظرا إلينا.. فرفع الرجل الأسمر كئيب الوجه يده طالبا أن يكون هو المختار.. ناوله د.لوسيفر الأوراق وترك له أن يخلطها.. أخذها منه وشرع يقلبها على المائدة المسدسة أمامه.. ثم بدأ يتكلم..
***************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
21- أسطورة حكايات التاروت - الحكاية الأولى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: