كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 21- أسطورة حكايات التاروت - المقدمة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 21- أسطورة حكايات التاروت - المقدمة   الإثنين فبراير 05, 2018 2:05 am

لم أكن قد غادرت الولايات المتحدة بعد.. كنت أمضي أيامي مع صديقي المحامي الأمريكي جيري بعد تلك التجربة النفسية الرهيبة التي عشتها مع قصص إدجار آلان بو والتي لم أفهم هل كانت هلوسة شديدة أم هي تجربة روحانية نادرة الطراز.. وطبعا -أنت تلاحظ أنه لم يأت بعد- لحق بي صديقي العتيد هاري شيلدون خبير الكمبيوتر الشاب قادما من فلوريدا.. فمن الصعب أن أمر على الولايات المتحدة مر الكرام دون أن ألقاه.. وحتى هذه اللحظة لست واثقا من هو النحس الحقيقي.. أنا أم هو.. فما إن يظهر الأخ هاري حتى يتحرش بنا الزومبي وتلاحقنا لعنة شاكال اللعين وكل مسوخ الأرض.. كان مرحا كعهدي به.. وأمضيت أياما لا بأس بها نسترجع ذكريات الماضي التي قل أن تكون لدى واحد آخر سوانا.. عرف حكايتي مع النبات القاتل والكاهن الأخير وبراكسا حسناء المقبرة.. على أن أشد ما أثار اهتمامه هو قصتي مع إدجار آلان بو خاصة حين عرف أنني عشت تفاصيل قصص لا أذكر أنني قرأتها قط.. وبمراجعة مجمع أعمال الأديب الأمريكي العظيم استطاع أن يجد كل ما تكلمت عنه فلقد استطاع بو أن يقودني إلى عالمه الخاص لا مراء في هذا.. وطلب مني هاري أن أصحبه ليلقي ذلك الدجال سام كولبي فهو يثير شغفه حقا.. وفي ليلة صيف باسمة ركبنا إحدى سيارات أجرة نيويورك الصفرء المجنونة قاصدين بيت الدجال.. استقبلنا الرجل بملامحه الودود الطفولية التي ما زالت تثير الهلع في قلبي.. فأشرق وجهه حين رآني ودعاني إلى الداخل متحمسا.. صحيح أننا جئنا على غير ميعاد لكنني صرت شخصا عظيم الأهمية يستحق أن تفتح له صالة كبار الزوار لو أن عنده واحدة.. قمت بتعريفه بصديقي هاري وأخبرته أن جيري غارق في الأعمال فلم يستطع المجئ.. ثم دخلنا المنزل الكئيب.. كان كما هو لم يتغير بعد.. وعلى المائدة المستديرة كانت هناك علبتان من الطعام المحفوظ وقدح من الشيكولاتة يتصاعد منه الدخان.. في حماس ذهب الرجل القمئ إلى رزمة من المجلات في ركن الغرفة فأخرج واحدة منها وفتحها على صفحة معينة وطواها وهرع نحوي ليريني إياها.. كانت هناك صورة فوتوغرافية لذلك الإقرار الذي كتبته له بخطي وعنوان المقالة الرنان يقول: طبيب يعترف بمبدأ التناسخ- كولبي يصف تجربته الخاصة.. استشطت غضبا وقلت من بين أسناني:
=لكني لم أقر مبدأ التناسخ لحظة..إن ما كتبته يقول إنني عشت تجربة غير عادية لا أدري كنهها..
تساءل هاري وهو يتأمل غلاف المجلة:
- مجلة ماجيك؟.. ياللطباعة الرديئة!.. واضح أنها لا تلقى رواجا كبيرا.. وأنت يا رفعت.. كيف سمحت لنفسك أن تنخرط في هذا الهراء؟..
قلت وقد احمرت أذناي:
=لم أنخرط فيه.. لكنها شهادة حق سمحت لنفسي أن أقولها.. وما كنت لأقول سوى ما رأيت وعرفت..
هتف كولبي في حماس:
- لقد أحدث المقال دويا في أوساط المهتمين بالروحانيات ونشر مرتين.. وسر نجاحه يعود لأن موضوع التجربة هذه المرة ليس معتوها ضعيف الإرادة.. بل هو رجل مثقف ناضج يسره بالتأكيد أن يثبت أنني نصاب!..
فقلت له وأنا أعيد المجلة:
=أنت كذلك!.. وأعتقد أن كل شئ غريب رأيته لم يكن لك فضل فيه.. لقد كدت تقتلني بتجربتك المخبولة تلك.. لكن لتقل إنك كنت إشارة البدء التي نقلتني إلى عالم لا يصدق..
هتف غير مبال بالإهانة:
- إنه المجد!.. أنت نقلتني إلى عالم لا يصدق من الشهرة والاحترام العلمي.. واليوم أنا مدعو إلى نادي السحر باعتباري ضيف شرف.. والفضل لك..
غمغم هاري وهو يجلس على أحد المقاعد واضعا يديه في جيبه:
- نادي السحر؟.. اسم غريب!.. وهل هذا النادي يقدم لضيوفه حساء أجنحة الخفافيش في جماجم بشرية؟..
أطلق كولبي صرخة احتجاج..وهتف:
- لا تكن سخيفا يا مستر شيلدون.. إن هذه الفكرة الصبيانية عن السحر لا تليق بك بل بقراء القصص المصورة..
- في رأيي أن القصص المصورة أكثر احتراما.. فأنا خبير كمبيوتر يا سيد كولبي.. ولا أتعامل إلا مع الحقائق الملموسة والمقدمات التي تقود إلى نتائج.. ولو أنني فتحت ذاكرة الكمبيوتر اليوم ووجدت برنامجا لم يكتبه أحد فإنني لعلى استعداد أن أومن بسحرك هذا..
اتسعت عينا كولبي وفيهما ارتسمت نظرة حالمة.. أقسم أن الرقة الرومانسية غزت سحنته الكريهة.. وقال في افتتان:
- لا يهمني رأيك كثيرا برغم احترامي له.. اليوم يجلس سحرة الولايات المتحدة يستمعون لي وأنا أتكلم..وهذا هو كل ما أبغي من الكون..
قلت وأنا أشعل سيجارة وأتخذ مقعدا:
=كنت أظن السحر والروحانيات موضوعين منفصلين..
- إن السحر هو..
ثم تقلص وجهه ألما..وهتف:
- معذرة.. الحمام.. إنها البروستاتا كما تعلمان..
وغادرنا مسرعا كعادته فنظر إليّ هاري مندهشا ولسان حاله يقول: ماذا دها هذا الرجل؟.. قلت بلا مبالاة:
=لا عليك.. إن بروستاتا هذا الرجل صارت موضوع الساعة بالنسبة لمن يزوره أو يحاول فهم حرف من كلامه..
بعد ثوان عاد الرجل من الحمام وقد بدت عليه معالم الارتياح.. وقال وهو يجرع ما بقي في القدح من شيكولاتة:
- كنت أقول إن السحر والروحانيات وعلم الباراسيكولوجي كلها مسميات توضع في خزانة واحدة هي الميتافيزيكس أو علوم ما وراء الطبيعة.. نحن في هذا المجال أبناء عمومة.. ونحن نلتقي في بيت الأسرة الكبير المسمى نادي السحر من حين لآخر ليلقي كل منا محاضرة عما عرفه أخيرا في هذا المجال.. هل تحبان أن تحضرا أحد هذه الاجتماعات؟..
قلت له وأنا أتأمل السمكتين تسبحان في حوضهما غير عابئتين بشئ من هذا الهراء:
=بلى.. لكنني كنت أحسب هذه الاجتماعات مقصورة على الصفوة.. أعني أنه يجب أن تكون معك بطاقة تعريف أو تحمل معك قبعة فيها أرنب أو شيئا من هذا القبيل..
- لا شئ من هذا.. المهم أن تترك معتقداتك البالية في دارك لا أكثر ولا أقل..
=من الممكن أن أفعل هذا..
نظر إلى الساعة على الحائط وقارنها بساعة جيب عتيقة أخرجها من صدار بذلته:
- ليكن.. إن الحفل يبدأ بعد نصف ساعة.. فاستعدا لكي نذهب.. نصيحة يا مستر شيلدون.. أتوسل إليك أن تتجاهل طريقتك العدائية الهجومية بعض الوقت إذ هناك من لا يحبون هذا ممن نحن ذاهبون إليهم.. احتفظ لنفسك بعقليتك الجدلية النقدية بعض الوقت وأعدك أن تعرف أكثر..
**************************
كان اللقاء في شقة فاخرة في حي بارك أفينيو.. مجموعة من الخدم الذين يرتدون زيا موحدا يهرعون هنا وهناك حاملين أقداح الشراب.. وفي صدر القاعة مائدة هائلة عليها وعاء ضخم مزركش يحوي شرابا ينقلونه إلى الأقداح بمغرفة كبيرة مثلما يفعلون في حفلات الكوكتيل جوار عشرات الأصناف التي يستحيل أن تعرف كنهها بالضبط.. ثمة شئ شبيه بديناصور مذبوح جواره شوكة وسكين عرفت فيما بعد أنه ديك رومي عملاق وأطباق ملأى بأشياء يمكن أن تكون عيونا مقلوعة أو صراصير محمرة أو أنوفا بالصلصة.. لن أفهم أسلوب الطهي الأمريكي أبدا.. وعليك - أنا لن أفعل هذا ما حييت- أن تنقل إلى طبقك عدة أصناف من هذه الأشياء المرعبة لتلتهمها بلذة في المكان الذي اخترته لنفسك.. ناديت هاري وطلبت منه أن ينتقي لي شيئا آكله.. شيئا ليس مخنوقا ولا موقوذا ولم يطبخ بالخمر ولا يحوي لحم خنزير ولا يحوي تعويذة سحرية ما ولا يثير منظره الرعب في قلبي!.. نظر لي في حيرة:
- المهمة عسيرة.. فأنا نفسي أجد صعوبة في انتقاء شئ مأمون..
ثم أشرق وجهه بابتسامة عذبة وقال:
- لحظة.. وجدت لك الحل السعيد!..
ومد يده ونقل إلى طبقي عودين من الكرفس..!..
***********************
بفم ملئ بالكرفس شرعت أتأمل المكان.. كانت الموسيقا العذبة - المصنف العاشر لأحدهم- تنبعث من لا مكان.. كأنما هي الكل الذي نحن فيه وهي حيلة بارعة كما ترى.. ولابد أن السماعات مدفونة في مكان ما تحت أقدامنا.. حتى الإضاءة ذاتها تأتي من لا مكان.. الجدران ذاتها تضئ بلون أزرق خافت يبعث الانتعاش في روحك.. في البدء شعرت بالخجل لأنني الوحيد الذي لا يرتدي الفراك في هذا الحفل المنشي وبالمناسبة أرجو أن يفتيني أحدكم عن كنه الفراك بالضبط حتى أشتري لنفسي واحدا في الحفلات القادمة.. ثم بدأ خجلي ينزاح حين رأيت شبانا يرتدون الجينز ورجالا يرتدون بذلات أقل ما يقال عنها أنها أسوأ من بذلتي.. لقد كان طابع هذا الحفل هو البساطة والبذخ.. البساطة في التقاليد والبذخ في الإمكانيات.. وحتى هذه اللحظة لا يوجد شئ غير عادي.. كانت هناك فتيات ترتدين ثياب السهرة ويرحن هنا وهناك متظاهرات بالمرح والانطلاق وكان هناك رجال واضح أنهم بلغوا الذروة في الثراء أو علو المناصب.. يحيط بهم إذ وقفوا معتدين بأنفسهم رجال ونساء يتظاهرون بالاهتمام المتصوف بما يقال كأن ثراء الإنسان يكفي لجعله أحكم الحكماء.. الخلاصة أنه جو مقيت.. وأنا يا رفاق خفاش آدمي.. أهوى الظلام والوحدة وأمقت الأضواء والناس وسر حبي الوحيد للحفلات هو أنني آكل فيها كالحيتان.. لذلك لا تتوقعوا مني أن أحب هذا الحفل الذي لم أفز فيه سوى بعودين من الكرفس ولكن أين هاري وسط هذه الفوضى؟.. هو ذا واقف يتحدث مع شقراء لا ترتدي شيئا تقريبا.. كنت أظن أن هذه الأساليب المراهقة بعيدة عن رجل متزوج من امرأة حسناء تحبه لكني كنت مخطئا على ما أظن.. وأين كولبي في كل هذا؟.. هو ذا ضيف الشرف المرتقب للحفل.. إنه يمشي هنا وهناك بثيابه البالية يمازح هذا ويكلم ذاك.. لكن من الواضح أن أحدا لا يعبأ به بتاتا.. إنه مجرد رجل مضحك يثير الشفقة لا أكثر ولا أقل.. بالطبع كان يختفي من حين لآخر عن ناظري.. إنها البروستاتا كما تعلمون.. لو أن هناك جمعية لهواة التبول لصار هذا الرجل رئيسها الشرفي.. أنا أضمن له هذا على الأقل.. ولكن أين السحر وسط كل هذا؟.. إن هي إلا حفلة مرحة أخرى.. صحيح أنني لم أر مثلها إلا في السينما لكنني أشعر بالملل وكأنني أفنيت عمري كله في حفلات مماثلة.. لهذا اتجهت بثقة إلى البوفيه المفتوح فملأت طبقي بالكرفس.. ثم اتجهت إلى أريكة وثيرة أمامها مائدة صغيرة فأرحت جسدي عليها وأشعلت سيجارة وأخذت أتسلى بإلقاء الرماد على السجادة الفاخرة وأراقب هؤلاء البلهاء..
************************
حين ظهر رجل في العقد السادس من عمره.. متأنق أشيب الشعر ويرتدي منظارا معلقا إلى صدره بسلسلة ذهبية.. ظهر هذا الرجل يشق طريقه بين زحام القوم المتمايلين والمتمايلات حتى وجد لنفسه موضع قدم.. ثم صاح بصوت جهوري معدني:
- هيري هيري - وتعني اسمعوا وعوا- ..
فساد الصمت إلا من نغمات البيانو القادمة من اللامكان..
- يسرني أنا رئيس رابطة سحرة نيويورك أن أقدم لكم ضيف حفلتنا الليلة..
نظرت بطرف عيني إلى كولبي.. فوجدته قد احتقن وجهه.. ولا شعوريا بدأ يحك حذاءه في ساق بنطاله ليزداد لمعانا ثم يتقدم إلى الأمام.. إنها لحظته المنتظرة..
- إنه لرجل فذ.. وهو شرف مهنتنا بعطائه الذي لا يكل وجهوده المخلصة من أجل علوم ما وراء الطبيعة..
ويتقدم كولبي عبر الصفوف يزيح هذه ويبعد هذا قاصدا مركز الحلقة حيث وقف الرئيس يقول:
- أعرف أنكم لستم جميعا من المهنة.. بعضكم ضيوف عليها.. وبعضكم لم يسمع عن هذا الرجل العظيم..
وهنا كان كولبي قد وصل إلى الرئيس.. ومد يده نحوه..
- أرجوكم جميعا أن تحيوا.. الدكتور لوسيفر!..
وتعالى صوت التصفيق على حين شرع كولبي يدور بعينيه في بلاهة.. إذن لم يكن هو المقصود.. شعرت برغبة عارمة في الضحك مازجتها شفقة.. كلنا يعرف هذا الشعور المرير.. هو ذا كولبي ينسحب وقد بدا لي كأنما صار عاجزا عن رفع كتفيه لأعلى.. سقطتا إلى جانبه على شكل رقم (Cool.. واحمرت أذناه أكثر فأكثر على حين شرع الجمع الذي لم يلحظ سوء التفاهم هذا يردد الأغنية الشهيرة في حفلات التكريم: "لأنه رجل لطيف طيب.. لأنه رجل لطيف طيب.. ولا أحد ينكر ذلك".. وهنا لم أعد أنظر إلى كولبي.. تركزت عيناي على ذلك الرجل النحيل الذي يرتدي السواد والذي وقف يحيي الناس جوار الرئيس.. طويل القامة كان.. كل ما فيه أسود.. شعره.. ثيابه.. لون عينيه.. على عنقه قلادة ذهبية هائلة الحجم.. وفي أصابع يديه عدد من الخواتم الماسية يفوق قدرتي على العد.. وكان هناك قرط يتدلى من أذنه اليمنى (ولم أكن قد رأيت من يرتدي القرط بين الرجال في ذلك الوقت).. كان رهيبا.. وأدركت أنه يستغل هذا الايحاء خير استخدام..
لقد أدرك أن له طابعا شيطانيا لا تخطئه العين ولهذا استكمل هذا الطابع بانتقاء الثياب السوداء وتسمية نفسه باسم لوسيفر الاسم اللاتيني للشيطان.. اسم معناه أمير البهاء لأن الكبرياء تقود إلى الهلاك.. شعرت بكراهية له من اللحظة الأولى وتمنيت أن أرحل أنا وهاري الآن.. لكن شيئا في أعماقي أمرني أن أنتظر وحتى يفرغ هذا المخبول من كلامه.. لابد أن أعرف الشئ الذي منحه كل هذا البرستيج بين أقرانه.. كل السحرة يخرجون أرنبا من القبعة فهل هو يخرج منها أفراس نهر؟!.. كل السحرة يشطرون المرأة إلى نصفين فهل هو يشطرها إلى ثلاثة؟!.. على أنني كنت مخطئا هنا حين خلطت بين السحر الاستعراضي الذي يؤدى على المسارح والسحر الخفي الذي يمارس في غرف مغلقة.. فالنوع الأول معروف ودائما ما ينكشف عن ألعاب تافهة.. أما النوع الثاني فلا أعرف عنه حرفا.. رأيت هذا المدعي يرفع يده لتهدأ الجلبة ثم يقول:
- سرني هذا الترحيب!..
كان صوته كمظهره أسودا قاتما كئيبا على أن له سحرا مغناطيسيا غامضا يجعلك تود لو سمعت أكثر.. صوته كان أشبه بالنبرات الرتيبة التي تخرج من حنجرة الببر حين يغفو بعد أن التهم فريسته بالكامل..
- إنني أجد قلوبا مخلصة ملأى بالحب في هذا المكان..
حب؟.. عم يتحدث هذا المشعوذ؟.. لكنني لاحظت نبرة صوته واللهجة الأجنبية الواضحة في كلماته.. واضح أنه ليس أمريكيا.. ربما هو من أوروبا الشرقية أو روسيا أو شئ من هذا القبيل.. كما لاحظت أنه في العقد الخامس من العمر مثلي..
- عودوا لمرحكم.. أما عني أنا فلسوف أجلس في صومعة الأحلام مع مستر كلارتون مضيفنا الكريم.. فمن أراد أن يلحق بي هناك فبه أسعد وله قلبي يطرب.. أما الآخرون فهم سعداء من أجله..
واستدار ليتجه إلى حجرة جانبية ومعه رئيس الرابطة الذي عرفت الآن أنه صاحب الدار وأن اسمه كلارتون.. لم يفتني كذلك أن ألاحظ الأسلوب الغريب الذي تكلم به على غرار(به أسعد)و(له قلبي يطرب) ليعطي كلماته طابعا غريبا يوشك أن يكون كنبوءات العرافين.. إن كولبي نموذج للنصاب الأبله.. أما لوسيفر فهو من طراز راق شديد البراعة.. إنه النصاب نجم المجتمعات.. ولن أدهش لو كان ثراؤه واسعا كحيلته.. عاد الحفل إلى صخبه السابق.. الضحكات الأنثوية تدوي والخدم يروحون هنا وهناك.. هاري يأتي إليّ لا أدري من أين ليقول لي وهو يجرع كأسه:
- هل معك سيجارة؟..
=أظن هذا.. حسبتك لا تدخن..
- أنا كذلك.. تلك الشقراء طلبت أن أقدم لها واحدة!..
=عليك اللعنة!.. أنا أمقت هؤلاء الكرماء على حسابي.. خذ العلبة كلها ولكن أعدها إليّ..
قال وهو يدس العلبة في جيبه:
- ما رأيك في هذا الجو المسموم؟..
=عرفنا ألعن منه مع سحرة الفودو في تلك الليلة.. هل نسيت؟..
- وكيف أنسى؟.. قل لي.. لماذا لا نتبع هذا المخبول إلى صومعته كما قال؟..
=لا..
- لكنك مولع بالتجارب الجديدة.. إن الفضول يقتلني..
وهنا دنا منا كولبي قصيرا تعسا مبعثر الهندام.. وفي عينيه نظرة من يرجوني أن أنسى ما حدث ثم قال لي:
- كذا ترى.. إنه لجو غير عادي!..
=لا أرى شيئا غير عادي.. مجرد حفل صاخب على درجة من التحرر..
- هذا لأنك لم تدخل الصومعة!..
نظرت في عينيه البريئتين فوجدت دعوة لا تحتاج إلى ترجمة.. إنه يتحرق شوقا كي يلحق بهذا اللوسيفر في اجتماعه الخاص.. وأنا حقا لا أرغب في أن أرى هذا النصاب مرة أخرى.. أريد العودة إلى داري وآخذ حماما فالنوم.. أرجوك.. أريد أن آكل شيئا عوضا عن الكرفس.. وهنا رأيت هاري عائدا لي حاملا علبة السجائر وبحنق صاح:
- أنت وسجائرك!.. كالعادة تستعمل أرخص أنواع السجائر على الإطلاق.. لقد كادت الفتاة تموت بالالتهاب الرئوي بعد نفسين!..
=لم أطلب منها أن تحب سجائري..

قال وهو يتأبط ذراعي وذراع كولبي:
- والآن دعونا من هذا الهراء.. هلما بنا نر هذا النصاب!..
رفعت يدي في احتجاج صامت لكن كولبي كان متحمسا ووجدت أنني في الواقع أدفع إلى الداخل دفعا..
- ماذا ستخسر لو ألقيت نظرة؟.. لقد وعد الرجل أنه بنا يسعد ولنا قلبه يطرب فماذا لو منحناه هذه السعادة؟.. ثم إنك لا تعرف لوسيفر.. إنه لرجل يسيطر على مفاتيح السحر كلها وهو ليس نصابا كأكثر العاملين بهذه المهنة القذرة.. وبمعنى أقرب إلى فهمكما.. إنه لرجل يعرف ما يتكلم عنه!..
وهكذا سمحت لنفسي هذه المرة فقط أن أدخل صومعة الدكتور لوسيفر.. وكما تعرفون عني: كنت ماذا؟.. ساذجا.. ساذجا..
***********************
رائحة البخور هذه.. رائحة البخور تفوح بها الغرفة.. الغرفة التي يسودها لون أخضر غريب فلم أكن واثقا هل هو انعكاس من الجدران أم أن هناك مصدرا للضوء الأخضر؟.. الزخارف الشرقية تملأ المكان.. وثمة مبخرة تتدلى من السقف على حين تناثرت النوافذ الأرابيسك الموصدة في أرجاء القاعة.. حتى السجاد كان إيرانيا سميكا غاصت فيه أقدامنا حتى كاحلها.. لقد حرص من أثث هذه الحجرة على افتعال طابع عربي من الذي يثير خيال الأمريكان حتى أنهم وضعوا زنجيا عاري الجذع إلا من صدرية مذهبة جوار الباب الذي تغطيه الستائر ليوحوا للداخلين أن هذا عبد من عبيد ألف ليلة وليلة.. وكانت هناك جارية حسناء تحمل الدلة تطوف بها على الجالسين بها شئ أعتقد أنه قهوة.. هذه هي الصومعة إذن وسمعت صوت الببر يزأر:
- مرحبا بك يا كولبي أنت ود.رفعت ومستر شيلدون!..
ارتجفت لهذه البداية وكدت أومن أنها معجزة.. ثم تذكرت أن كولبي الثرثار بالتأكيد قد حكا للرجل كل شئ عنا.. كانوا جالسين على الأرض على طنافس عربية موشاة بالذهب حول ما يشبه طبلية صغيرة مسدسة الزوايا كأنما خرجت من تحت يد أفضل صانعي خان الخليلي لكنه دائما ذلك الجو الشرقي المفتعل الذي لا يجيد الغربيون محاكاته.. فهم لا يعرفون عنا سوى قصص ألف ليلة وليلة ولوحات ديلاكروا.. الضوء الأخضر الساطع يغلف الوجوه.. دنوت من المجلس واخترت إحدى الطنافس وتربعت عليها.. وجلس هاري إلى يميني وكولبي إلى يساري.. وشرعنا نتأمل الجالسين.. كانوا خمسة بالإضافة إلى لوسيفر والأخ كلارتون.. وبعد دقائق دخلت الغرفة امرأتان فجلستا إلى المائدة معنا.. إحداهما شابة لا بأس بها والأخرى عجوز لابد أنها فقدت طفلتها في حروب الهكسوس.. ظل الصمت هو السائد بضع دقائق.. لا نفعل شيئا سوى أن نتبادل النظرات.. متى ينتهي هذا الهراء؟.. ثم إن لوسيفر بدأ يتكلم.. بصوت بطئ النبرات عميقها يتكلم.. عن أي شئ بالضبط؟.. لا أدري في الواقع.. مجرد كلام فارغ لا أول له ولا آخر عن وحدة الكون والعقيدة المانوية والوصول إلى الحقيقة عن طريق فهم أنفسنا أكثر.. إلخ.. ملت على أذن كولبي هامسا:
=هذا المخبول.. هل هو ساحر أم عراف أم مدعي نبوة من الذين تزخر بهم بلادكم والذين في بلدي يحملونهم إلى أقرب مصحة عقلية حيث تتكفل بعض صدمات كهربية بشفائهم تماما؟!..
- حنانيك.. لا تسخر منه إنه..
وهنا دوى صوت الببر:
- أنا عالم يا د.رفعت!.. لا أكثر ولا أقل!..
رفعت عيني نحوه فوجدته يرمقني بعينيه السوداوين الثابتتين.. ما أقواهما من عينين!.. كأنهما خلقتا للتنويم المغناطيسي.. وسمعته يقول وهو يرفع شيئا ما في قبضته:
- هل سمعت عن أوراق التاروت؟..
تأملت الأوراق التي يقبض عليها في قبضته.. بالطبع سمعت عنها وبالتأكيد أعرفها.. هل أنسى الأم مارشا في جامايكا ونبوءتها عن القلعة والتراب الأحمر؟.. أعرف هذه الأوراق برسومها المشئومة لكني لا أعرف شيئا عن مغزاها ولا معناها.. قال د.لوسيفر وهو يجيل عينيه بين الجالسين:
- هناك من يؤكد أن كلمة تاروت مأخوذة من الكلمة الهيروغليفية تاروش ومعناها: الطريق الملكي.. ومن يؤكد أنها مأخوذة من كلمة روتارو اللاتينية ومعناها الدائرة ولقد حاول الكثيرون معرفة متى وكيف نشأت هذه الأوراق لكن الجميع فشل..
قال صاحب الدار كلارتون وهو يرفع نظارته إلى أنفه:
- في كتاب (العالم البدائي) يزعم مؤلفه كورت أن هذه الأوراق ظهرت في أوروبا في القرن الرابع عشر.. لكنها ظهرت في الشرق قبل ذلك بعهد سحيق.. ربما كانت تعود إلى عهد الفراعنة أنفسهم..
قال أحد الجالسين وهو رجل أسمر له وجه كئيب ممتقع:
- إن ستيوارت كابلان عاكف الآن على كتابة كتاب أوراق التاروت يتحدث فيه عن لغز هذه الأوراق..
دون كياسة تساءلت عاجزا عن الفهم:
=أنا لا أفهم.. ما هي جدوى هذه الأوراق أصلا؟.. أليست نوعا من فتح الكوتشينة لا أكثر؟..
تحركت العينان الثاقبتان نحوي وسمعت صوت الحشرجة:
- ليس الأمر بهذه البساطة.. لقد عكف الدكتور يونج تلميذ فرويد الشهير على دراستها ثم أعلن رأيه: إن التاروت هو أسلوب لتنمية الحدس واتباع منهج عملي يلائم وجود الإنسان في هذا الكون.. والعالم الإنجليزي ليفي يقول: إن التاروت يتيح لمن لم ير العالم قط أن يمتلك المعرفة الكاملة بالكون ويتحدث في كل المواضيع ببراعة.. بالمناسبة.. أنت مصري يا د.رفعت وكان من واجبك أنت أن تحدثنا عن التاروت على حين نصغي لك.. إن التاروت في الغالب اختراع فرعوني قديم..
أضاف كلارتون في حماس موجها الكلام لي:
- يزعمون أن كهنة مصر دونوا فيها كل أسرار حضارتهم التي أحسوا بقرب اندثارها وكان ذلك في العام الألف قبل المسيح..
تساءلت الفتاة بصوت بدأ التوتر يغزوه:
- وكيف وصل إلى أوروبا؟..
- وصل إلى إنجلترا مع طوائف الغجر.. وصنع أول تاروت بها في عهد الملك هنري الثامن..
وهنا قطع هاري خيط الكلام ليتساءل:
- دعونا من تاريخ هذه الأوراق.. ما الذي تنتويه بالضبط؟..
شاعت ابتسامة غامضة في وجه د.لوسيفر وشرع يفنط الأوراق دون أن ينظر إليها ثم أجاب:
- أنوي أن آخذكم إلى رحلة نادرة خارقة للعادة.. وأداتي هي التاروت.. كان لابد لي من أن أخبركم بشئ عنه قبل أن أبدأ.. والآن من سيكون الأول؟!..
ساد الصمت.. فملت على أذن كولبي هامسا:
=من هو د.لوسيفر هذا؟..
قال هامسا دون أن يحول بصره عن المشهد:
- لا أحد يعرف.. يقولون أنه من المجر وإن اسمه فرانتز لوسيفر.. وقد جاء إلى الولايات منذ ثلاثة شهور.. ويقال إنه أثار حيرة الجميع بما يصنعه بهذا التاروت.. حتى أن مستر كلارتون الذي لم يعد شئ يبهره قد استضافه عنده بصورة دائمة وأعد له هذه الغرفة خصيصا..
=يسأل عن الأول.. الأول في ماذا بالضبط؟..
- لا أدري.. ربما سيرينا بعض قدراته التنبؤية..
وببطء شديد دارت عينا الرجل الثاقبتان بين صفوفنا.. خطر لي في هذه اللحظة مدى سخف ملاحظتي حول العينين القويتين فالعينان وحدهما غير قادرتين على التعبير عن شئ.. كل ما تملكانه هو أن تتسعا لتوحيا بالرعب أو تضيقا لتوحيا بالمكر.. الحاجبان هما ما يعطي العينين تأثيرهما الكامل.. هما ما يعطي العينين إيحاء الطيبة والضعف ويعطيانها إيحاء الحزن والشر.. المخيف في هذا اللوسيفر أن عينيه لم يكن فوقها سوى حاجبين مسطحين أفقيين لا ينمان عن شئ وهذا في حد ذاته يثير الرعب في قلبي.. صوت الببر الراضي عن شبعه يتردد:
- الحق أقول لكم إنني لواجد بينكم من يستحق شفقتي.. إن بينكم يا إخوان من لا يصدق.. فله الحسرة تغمرني.. وبينكم من يسخر.. فمنه أشعر بالحنق.. وبينكم من لا يبالي.. فإليه نصحي أن يعيرني أذنيه الفانيتين بعض الوقت..
شعرت بالتوتر.. فأنا أمتاز عن الآخرين بأنني قابل للدخول في كل هذه القوائم.. أنا بالفعل لا أصدق ولا أبالي وأسخر!.. وبالتالي أنا سببت للرجل الحسرة والحنق وواجبي أن أعيره أذني الفانيتين بعض الوقت!.. نظر لي د.لوسيفر نظرة بادرة وجرع قدح القهوة الذي كان أمامه وأشار إلى ما وراء كتفي:
=لا!..
قلتها في إصرار إذ رأيت الجارية آتية إليّ حاملة الدلة لتصب بعض القهوة في فنجاني تلبية لإشارته.. والسبب معروف.. بعد تجربتي السابقة مع كولبي لا أجد لدي استعدادا كي أشرب شيئا ما قد يحوي عقار هلوسة أو شيئا مماثلا.. أريد أن أكون بكامل قواي العقلية لأرى ما سيحدث.. إذا كان هناك ما سيحدث حقا..
ثم إن د.لوسيفر واصل الكلام:
- إن لي أن أفترض أن من لحقوا بي يريدون أن يعوا المزيد عن غدهم.. وإنه لمما يثير دهشتي أن أرى بالصدفة هذا الحشد من ذوي المصائر المكفهرة.. كلكم تريدون بصيصا من الغد.. وليس من الحكمة أن تروا هذا المصير.. فهل حقا أنتم على ذلك عازمون؟!..
ساد الصمت هنيهة.. لم أعتد من قبل أن أرى عرافا يقول لزبائنه إن مصيرهم أسود وأن غدهم قاتم.. من المعتاد أن يقول لهم أن كل شئ تمام وأن الأيام القادمة هي أسعد الأيام.. على كل حال أنا لا أؤمن بهذا الهراء.. ورأيي هنا صارم لا يتزحزح: لا يوجد تنبؤ بالغيب لدى بشر.. ولو أن هذا النصاب كان يعلم الغيب حقا لصار حاكم العالم بعد أسبوع.. إن الإنسان الذي يعرف الغيب لقادر على أن يكسب كل أوراق اليانصيب ويعرف أين تتوقف الكرة في لعبة الروليت ويعرف كل الخطط الحربية وأرقام حسابات البنوك وأسئلة امتحان الثانوية العامة.. إنسان كهذا لن يجلس في غرفة يشرب القهوة ويحاول أن يبهرنا.. قطعت المرأة العجوز حبل أفكاري قائلة بصوت رفيع مرتجف:
- إنك أثرت فضولنا يا د.لوسيفر.. هل تعني أن كل الجالسين هنا مستقبلهم قاتم؟.. ما سر هذه المصادفة؟..
ابتسم ابتسامته الغامضة وقال:
- لأن كل الجالسين هنا أو أكثرهم من اللاعبين بالنار.. لا مصادفة هنالك في أن يحتشد في مكان واحد عدد ممن ستحترق أناملهم..
تنهدت المرأة وغمغمت:
- أنت تثير رعبي بكل هذا.. ولا يسعني إلا أن أطلب منك أن أكون الأولى..
ومدت العجوز يدها نحو د.لوسيفر فناولها الأوراق وطلب إليها أن تخلطها بنفسها فهو يريد أن يلقح الأوراق بمغناطيسية الشخصية وأن تكرس تفكيرها كله لمحتوى هذه الأوراق.. وفي أذني همس كولبي:
- تتكون أوراق التاروت من 78ورقة في صورتها الكاملة منها 56ورقة تدعى السر الأصغر هي التي ولدت منها أوراق اللعب المعروفة حاليا.. أما ال22 ورقة الباقية فتدعى السر الأعظم.. ولهذه الأورق ترتيب معين يمكن للملمين بالتاروت أن يجدوا فيه قصة كاملة..
=إذن سيحكي لنا هذا الرجل سبع قصص..
- بالتأكيد.. فالجالسون هنا سبعة..
كانت السيدة قد انتهت من خلط الأوراق فأعادتها إلى د.لوسيفر الذي تناولها.. وبهدوء بدأ يقلب الأوراق بترتيب معين.. الصور الزاهية الغامضة تتراءى لعيني في الضوء الأخضر الغامض.. وبدأ د.لوسيفر يتكلم..
وكانت هذه حلقة الرعب الثانية.. لقد دارت العجلة ولن تتوقف إلا حين يقرر هو ذلك.. لأنه رجل لطيف طيب.. ولا أحد ينكر ذلك..
*****************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
21- أسطورة حكايات التاروت - المقدمة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: