كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 20- أسطورة بو - الفصل الثامن

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 20- أسطورة بو - الفصل الثامن   الإثنين فبراير 05, 2018 2:01 am

8- سقوط منزل أشر..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين وجدت نفسي أتأرجح كالبندول أمام الأفق صرخت بصوت اهتزت له الأشجار فوق الأرض والغيوم القرمزية في السماء:
=تبا لك يا بو.. لقد أرغمت على الحياة في عوالم خيالك المريض التي هي بخار من أبخرة الأفيون الذي كنت تدمنه فويل لي أنا الذي نال عذابين.. عذاب أبطال قصصك بمصائرهم الرهيبة.. وعذاب محاولتي للفرار من هذه المصائر كفأر في مصيدة.. بلا أمل في الخلاص.. فهل يكون الخلاص يوم ينتهي مخزونك من القصص؟.. إنك كنت غزير الإنتاج للأسف وخلفت لنا كما لا ينتهي: الحشرة الذهبية.. الدوامة.. تابوت ليجيا.. الضفدع القفاز.. موريللا.. إليانورا.. الخ.. فهل سأمر بكل هذا؟.. المصيبة إنني أعيش كل عذابات وآلام أبطال قصصك.. وهي عذابات لا يطيقها المرء سوى مرة واحدة في عمره.. لكنني أعيشها جميعا في عمر واحد.. تبا لك يا بو.. لقد كذبت علي.. زعمت أنني أستطيع الفرار.. ولكن لا أمل لدي.. إن أحداث القصة لها حتمية قدرية لا تتبدل ومهما حاولت فمسار القصة أشبه بنهر ماض من منبعه لمصبه..
- صـ بـ ر ا ، تـ ذ كـ ر ، حـ يـ ا تـ ي ، و آ لـ ا مـ ي ، و لـ سـ و ف ، تـ جـ د ، ا لـ ح ـ ل..
*****************************************
حياتك؟.. لقد كنت نموذجا للفشل في كل شئ حاولته يا بو.. طردوك من جامعة فرجينيا لإفراطك في الشراب.. طردت من الأكاديمية الحربية في وست بوينت لأنك كنت تتخلف عن الطوابير العسكرية مفضلا كتابة الشعر.. طردك الثري الذي رباك ورفض أن يوصي لك ببنس واحد.. قالوا إنك مجنون.. ربما كان هذا صحيحا.. إن كل هذه العبقرية لا تخرج إلا من عقل أحرقت الموهبة خلاياه.. كانت لك أخت مجنونة ولربما كانت في عقلك بعض من كروموسوماتها.. بذرة الجنون.. حتى زواجك كان غريبا.. زوجتك كانت في الثالثة عشرة من عمرها وأنت قاربت الثلاثين.. كانت طفلة.. ولم يكن في حوزتك ما تقدمه لها سوى الشعر.. ماتت أمام عينيك من الجوع ومن داء الصدر اللعين لكنك لم تملك لها سوى معطفك العتيق العسكري تغطيها به.. أي عذاب وأي ألم عشته في حياتك أيها العبقري المجنون.. وحين ماتت لم تستطع دفنها إلا بما جاد به جيرانها عليك..
************************************
هذه المرة أنا فوق صهوة جوادي - لم أدر من قبل مدى براعتي في الفروسية - قاصدا دار صديقي رودريك أشر.. بناء على دعوة عاجلة منه يقول فيها إن مرضا نفسيا عضالا ألم به وهو في حاجة ماسة لوجودي جواره.. كان اليوم يوما كئيبا من أيام الخريف وانقباض غير عادي يغزو روحي إذ أرى جدران البيت الباردة الرمادية ممتزجة بسماء مكفهرة كئيبة.. إنني أذكر قصة كهذه.. قصة بها اسم أشر لكنني لست واثقا من تفاصيلها.. ثمة فارق هائل ما بين قراءة قصة وأنت في فراشك ليلا في تلك الدقائق التي تفصلك عن النعاس وقراءتها لتعيشها بكل تفاصيلها.. بل وتحاول تغيير هذه التفاصيل.. أدركت أن القصة في بدايتها لأنني لا أحمل أية ذكريات عن أية أحداث سوى معرفة سطحية بصديقي رودريك أشر الهادئ المنطوي آخر أفراد سلالته..
***********************************
غريب هذا.. حتى الهواء ذاته مصبوغ باللون الرمادي الكئيب.. وعندما دخلت الدار بصحبة أحد الخدم وجدت المكان يفوح بعبق القدم.. دروع.. أسلحة.. ستائر يدوية.. أما أشر نفسه فكان شاحبا كورقة.. شعره أشعث مبعثر في غير نظام حول رأسه وشفتاه صارتا أقرب لندبة في وجهه.. أية خبرات مروعة مرت بهذا الرجل؟.. قال لي في شرود إن مرضه أدى لحدة غير عادية في حواسه فهو لا يطيق إلا الطعام ماسخ الطعم.. ولا يحتمل رائحة الزهور ولا يلبس إلا قماشا ناعم الملمس.. ولا يتحمل أي صوت..
- لقد سيطرت جدران هذا البيت على روحي.. أنا مشدود إليه بكل قواي..
وهنا لاحظت شبحا يمر عن كثب.. أدرت وجهي نحوه فرأيت فتاة ناحلة مهزولة تمر بالغرفة.. ولم تنظر نحونا أو تقول شيئا.. نظرت لأشر مستفهما فوجدته يبكي.. قال لي في تأثر بين شهقاته:
- هي أختي مادلين.. آخر أفراد الأسرة.. وهي تعاني مرضا عضالا يؤدي لفقدانها الوزن باستمرار بل والأدهى يؤدي لتوقف قلبها من حين لآخر.. وعندئذ تبدو ميتة لكل من يراها.. لن تلبث مادلين أن تلحق بأجدادي وأصير أنا وحيدا في هذا العالم القاسي..
وهنا التمعت الفكرة في ذهني كومضة مصباح.. أنا الآن في قصة "سقوط منزل أشر".. تذكرت القصة وتذكرت ما يحدث فيها.. إنها لمن أشنع قصص بو وأكثرها كآبة وفي الأدب العالمي هي من أشهر قصص الدفن حيا التي يخيفون بها مرضى تصلب العضلات وغيبوبة السكر..
***********************************
ظللت ساعات أصغي لآراء أشر الكئيبة وفلسفته المختلطة المضطربة التي ألهمه إياها مرضه العضال.. الواقع أنه هو نفسه لم يكن يدري ما يتكلم عنه وكان فهمه للحياة مختلطا فغدا من العسير أن ينقل لي هذا الفهم غير أنه كان يحاول التعبير عن ذاته في إطار الرسم وإطار الموسيقا الشاذة المضطربة.. كان يؤمن بأن لجميع الجمادات حياة خاصة بها.. لهذا استطاع أكثرها أن يوجد لنفسه بيئة ملائمة تحيط به.. والدليل على هذا هو الهواء الراكد الغريب الممرض الذي يحيط بأحجار هذا البيت.. الواقع أنني أنا الآخر بدأت أشعر بهذا.. كان البيت طاغية خلق لنفسه عالمه الكئيب الذي احتكر أرواحنا.. وأعتقد أنني لو كتب علي أن أحيا فيه لفقدت رشدي حتما.. لكنني عزيت نفسي على اعتبار أن هذه فترة عارضة..
*************************************
وجاء اليوم الذي كنت أخشاه.. جاءني أشر في هدوء ليقول لي:
- ماتت مادلين..
ثم أخبرني أنه ينوي ألا يدفنها قبل أسبوعين بعدها سينقلها لتدفن في قبو أسفل القصر.. وذهبت معه لنحمل الجثة إلى التابوت ثم نحمل التابوت لغرفة صغيرة مغطاة جدرانها بالنحاس ولها باب حديدي ثقيل.. واستطعت أن ألقي نظرة على وجه الجثة للمرة الأولى.. كانت تشبه أشر لحد مروع وعرفت أنهما كانا توءمين غير متماثلين.. على ثغرها الرفيع ابتسامة شاحبة رقيقة أثارت ذعري.. ولون بشرتها لم يشحب بعد تماما.. تعاونا على إرجاع الغطاء ثم أوصدنا الباب الحديدي وعدنا للجزء الأعلى بالدار..
**********************************
الآن جاء دوري لأغير أحداث هذه القصة ولأمنع مأساة أعرف أن وقوعها حتمي وإن يكن غير ضروري.. كان رودريك يداعب أوتار الكمان ذاهلا حين تنحنحت وقلت له في وقار:
=رودريك..إن أختك لم تمت بعد.. يجب أن نخرجها من التابوت حالا..
- ماذا أوحى لك بذلك؟..
=لأنني.. أعرف ذلك.. أنت لا تعرف أنني وأنت جزء من نسيج مجنون طرزه رجل يدعى إدجار آلان بو.. وطبقا لهذا لم تمت مادلين بعد.. لقد وضعناها في التابوت حية ولن تلبث أن تراها أمامك وفي عينيها نظرة اتهام..
- هذا هراء..
كدت أنفجر باكيا من الغيظ والحنق.. لقد وضعتها معه في التابوت لأنني كنت مجبرا.. لكني لن أتركها هناك.. فقط أحتاج لعونه.. لكنه ظل يداعب أوتار الكمان مصدرا لحنا كنياط قلب يتمزق.. وشرع يردد دون كلل: ماتت مادلين..
=لم تمت يا رودريك.. أصغ لي.. أنت لن تدفنها الآن كما قررت لأنك تخشى ذات الشئ.. إذن كل ما أطلبه هو أن نخرجها من التابوت ونرقدها في الفراش ونلتف حولها.. بضع ساعات.. يوما.. أو يومين.. فلربما وقع المحظور..
- ليكن.. هيا نخرجها من ذلك التابوت ونرى إن كان حدسك صائبا..
كان هذا هو نصري الأول على حتمية القصة.. لقد نجحت في إقناعه بالتريث.. ولعمري لتكونن في هذا نجاتي من المأزق الذي يحاصرني ولا مخرج منه.. أنا متأكد من هذا.. ترك الكمان ونهض ليذهب معي إلى حيث دفنت مادلين.. وهنا خيل لي أنني أسمع صوت أنين.. ثم صوت ضربات تهوي على جسم معدني.. التفت نحوه متسائلا فصرخ:
- ياللهول.. ألم تفهم بعد؟.. إنها هناك.. لقد غادرت التابوت الذي كانت به.. وهي الآن قادمة نحوي لتلومني على دفنها دون أن أتأكد.. يا ويلي..
والتفت لأرى ما يعني.. إذ انفتح الباب عنوة محدثا جلبة.. عند الباب كانت مادلين بلحمها وشحمها في ثوبها الأبيض الطويل.. وفي عينيها نظرة لا أجرؤ على وصفها.. ورأيتها تجري نحو أشر ثم تهوي فوقه فاقدة الحياة بعدما استنفدت قواها في الخروج من تابوتها.. هو أيضا لم يتحمل الصدمة وسقط أرضا.. الذعر يستبد بي.. أفارق المنزل أقرب للمجانين وأركب حصاني.. وإذ أنظر للخلف أرى.. الشرخ في الجدار يتسع.. يزداد عمقا.. ثم المنزل كله يتهدم وتتساقط أحجاره في مياه البحيرة.. يختفي من وجه البسيطة.. لقد قضى المنزل على آل أشر وحين هلكوا قضى المنزل على نفسه.. هذه هي نهاية القصة كما أعرفها.. لقد تأخرت كثيرا في دعوة أشر إلى فتح التابوت وتعجلت كثيرا مغادرة الدار بعد هلاك الآخرين فلو كنت قد تعجلت في الأولى أو تلكأت في الثانية لكانت نهاية القصة قد تغيرت وغدوت حرا.. ترى إلى أية أسطورة مرعبة جديدة يأخذني خيال بو؟..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
20- أسطورة بو - الفصل الثامن
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: