كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 20- أسطورة بو - الفصل الأول

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 20- أسطورة بو - الفصل الأول   الإثنين فبراير 05, 2018 1:57 am

1- أمريكا من جديد..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العام 1968.. للمرة الثانية تجبرني أعمالي على العودة للولايات المتحدة.. ولقد زرتها من قبل.. يوم واجهت موضوع الاشتعال الذاتي وذلك الوغد القديم شاكال.. هل تذكرونه؟.. وزرتها مرة غير محسوبة منذ أعوام ربما عام 1966 حين اتخذتها محطة انطلاق إلى جامايكا وواجهت الزومبي مع صديق لدود هو هاري شيلدون.. هذه المرة أرحل مرة أخرى إلى هذا البلد الذي لا أكن له أي ود مفقود.. والسبب.. حاولت أن أوضح السبب في الصفحات الأولى من أسطورة اللهب الأزرق..
**************************************
إن الحياة في أمريكا أسرع مما ينبغي.. أعقد مما ينبغي.. أعنف مما ينبغي.. وأكثر مادية مما ينبغي.. ثم إنني لم أجد مبررا يسوغ لي أن أحب بلدا بذل كل ما يستطيع كي يعين عدوا على هزيمتي.. كان هذا هو العام 1968 وهزيمة 1967 لم تبرد بعد.. ولم تزل مرارتها في الحلوق.. ولها في كل بيت مأساة.. لهذا وأكرر ذهبت إلى هناك مضطرا.. وكانت الأعمال التي علي أن أتمها والتي لا أرى داعيا كي أشرحها لك تدور كلها في نيويورك.. إن نيويورك مدينة غير عادية.. ربما كان من المبتذل أن أقول إنها مدينة لا ترحم.. أو أن العاطفة قد ماتت فيها تاركة المجال للمادة.. إلى آخر هذا الهراء الذي يقوله الجميع عن أية مدينة.. لكنها الحقيقة.. إن نيويورك تحوي أسماء لا بأس بها تغري بالمشاهدة.. إمبايرستيت.. برودواي.. وول ستريت.. الخ.. كل هذه الأسماء التي تسمعها منذ نعومة أظفارك وتتمنى أن تراها.. لكني أنصحك أن تكون أكثر حذرا.. ولو أنك جرؤت على السير في الطرقات بعد العاشرة مساء وصادفت عصابة من الزنوج المسلحين بالمدي وإذا طلع الصباح عليك وأنت مهشم الأوصال مجدوع الأنف.. عندئذ لا تقل إنني لم أنذرك.. وإذا مشيت في زقاق جانبي وفوجئت بتاجر هيروين يقوم بتوزيع السم على بعض الأوغاد وإذا ضايقه أن يراك.. عندئذ لا تلومن إلا نفسك.. وإذا ركبت إحدى سيارات التاكسي الصفراء المجنونة ويسمونها هنا كاب ووجدت سائقها يقتحم بها رتلا من السيارات لتتهشم كل عظمة من عظامك.. عندئذ تعرف أنك كنت مخطئا حين ظننتها الجنة.. فإذا جاء الليل وسرت وحدك بين أضواء المحلات الساطعة المنعكسة على زجاج نظارتك.. ورأيت الغواني يقفن على أبواب متاجر كتب عليها "سكس شوب" وهن ينادينك "هي ميسترا" وشعرت بالحيرة والضياع في عالم غريب مقزز.. عندئذ لا تقل إنني لم أخبرك بما ينتظرك..
************************************
نعم نيويورك ليست هي الجنة.. ربما بدت كذلك لشخص غيري.. أما أنا.. فأقصى ما أبتغيه هو مكان هادئ تعزف فيه الموسيقا.. وصديق باسم أعرف أنه يحبني حقا.. وأناس يتحدثون برقة وصوت خفيض.. قلت هذا الرأي لصديقي على الطريقة الأمريكية جيري كلاين فلم يرق له كثيرا.. هو محام شاب أنيق وسيم يعشق بلده بعنف.. ويتصور أن من واجبي أن أشعر بالسعادة في مدينته وإلا كان نوعا من الكفر بنعمة الله.. وهكذا اتفقنا على أن يريني ما يعتقد أنني لن أقاومه في هذا البلد.. نسيت أن أقول إن أعمالنا كانت مترابطة جدا لهذا لم يفعل ما فعله من أجل سواد عيني.. ولكن فعله بداعي المصلحة.. أو كما يقول الأمريكان البراجماتية.. أخذني لمطاعم لا بأس بها وشوارع لم أتصور وجودها وملاهي برودواي المبهرة.. قلت له بعد هذا كله:
=جيري.. أنا لم أزعم لحظة أنكم لا تمتلكون التقدم والمال والإبهار.. لكنكم تفتقرون للروح الإنسانية.. إن أمريكا شبيهة بصناعة السينما في هوليوود.. جميلة مبهرة لكن بلا تاريخ ولا عمق حضاري.. إن فن السينما عمره لم يتعد قرنا بينما المسرح عمره عشرات القرون.. لكن السينما أكثر جاذبية من المسرح..
قال لي وهو يفرغ علبة البيرة التي كان يجرعها في حلقه ثم يهشم العلبة بقبضته:
- أنا لا أفهم ما تريد قوله لكني على كل حال أستطيع أن أريك تراثا إنسانيا لا بأس به..
والتمعت عيناه الزرقاوان خلف نظارته:
- سنذهب إلى جران كونكورس..
**********************************************
فيما بعد عرفت أن جران كونكورس يحوي الكوخ الذي عاش فيه شاعر أمريكا العظيم إدجار آلان بو مع زوجته منذ ما يزيد عن القرن.. لقد اشترت الولاية ذلك الكوخ وجعلت منه مزارا سياحيا لكل من عشقوا شعر بو وقصص بو.. وكنت أنا بطبيعة الحال قارئا نهما لكل ما جادت به قريحة ذلك العبقري.. قرأته بالعربية أولا في صباي ثم قرأته بالإنجليزية والقاموس جواري في أعوام دراستي للطب.. كان بو يملك وهذا رأيي الخاص تلك العبقرية المريضة المشئومة التي تلد أشنع الرؤى القاتمة على الورق.. لكنك لا تستطيع إلا أن تصفها بأنها عبقرية.. رأيت ذات مرة رسوما رهيبة بيد مريض شيزوفرانيا موهوب.. وإن أنس فلن أنسى تلك القشعريرة التي أرسلتها في عمودي الفقري تلك العوالم المشئومة القاتمة بسمائها القرمزية وبحارها الدموية وشخصياتها الشبيهة بعناكب حائرة في نسيج قدري مخيف.. لقد كان المريض يرينا قطعة من ذاته.. يرينا العالم الداخلي الذي يحيا فيه ويتعذب به.. وفي قصص بو كنت أشعر بذات القشعريرة.. هذه هي العوالم الرهيبة التي يحيا بها الرجل ليله ونهاره.. أي عذاب وأي ألم!..
*********************************
كانت العمائر الحديثة تحيط بالكوخ.. لقد زحفت المدينة على المكان الذي كان جنة أحلام هذا الشاعر العظيم ولو أنصفوا لتركوا المكان كما أحبه وكما أراده.. لكن يكفيهم أنهم لم يزيلوا الكوخ كله ليبنوا موضعه سوبرماركت.. دخلت مع جيري نتأمل الجدران المتآكلة.. ثمة لافتة موضوعة على مدخل الكوخ تقول:
* إدجار آلان بو..
* ولد عام 1809 في بوسطون..
* مات أبواه في طفولته فتولى رعايته تاجر من فرجينيا قام بتعليمه حتى دخل الجامعة ثم كف عن الإنفاق عليه..
* في عام 1827 عاد إلى بوسطون وبدأ ينشر أشعارا لم تلق النجاح..
* تزوج من ابنة عمته والتحق بالكلية الحربية..
* توفيت زوجته عام 1847 فكانت الضربة القاصمة له وانغمس في شرب الخمر..
* عام 1849 وجد في أحد شوارع بالتيمور ميتا..
لقد عاش إدجار آلان بو أربعين عاما قدم للعالم خلالها قصائد وقصصا لا تنسى وكانت عبقريته التي تمكنت من مزج الرعب بالشاعرية هي التي جعلت لأدبه مذاقا خاصا لدى الناطقين بالإنجليزية وقتها..
انتهت الكلمات المكتوبة على اللافتة.. إنها لم تخبرني بشئ عن هذا العبقري.. هكذا تبدو لوحة من بعيد.. ربما مبهرة.. ربما قبيحة.. لكنك لا تجرؤ على الزعم بأنك رأيتها إلا حين تدنو منها وتدقق النظر في كل خدش وكل ضربة فرشاة.. ماذا سيقولون عني حين أموت؟.. د.رفعت إسماعيل راهب العلم الذي لم يتزوج من أجل دراسة أمراض الدم.. له أسفار عديدة وصداقات كثيرة في الوسط العلمي وله تأملات خاصة في الميتافيزيقا.. هذا هو كل شئ.. ولكن أين حقيقتي؟.. أين معاناتي العاطفية؟.. مشاكلي مع التدخين؟.. مخاوفي وإحباطاتي؟.. لحظات نصري ولحظات هزيمتي؟.. كل هذا لن يعرفه أحد سوى من دنا مني إلى مسافة سنتيمترات وسمع سعالي ليلا وأصغى لصوت اصطكاك أسناني بردا وخاض معي مغامرة اختيار ربطة عنق قبل أن أقابل خطيبتي.. هنا عاش إدجار آلان بو وهنا ماتت حبيبته.. زوجته صغيرة السن الرقيقة كزهرة.. الحالمة كفراشة..
******************************************
كان يحبها كثيرا.. وبرغم مرضها بالسل فإنه لم يستطع أن يوفر لها ما يقيم أودها من الطعام.. لم يكن يملك لها سوى الحب.. على هذا الفراش كانت ترقد وترتجف لا يكاد ما عليها من ثياب أن يسترها في حين يجلس هو عند قدميها يدلكهما.. ويتحايل على القط كي يقنعه بالرقاد فوق قدميها الحبيبتين.. وحين ماتت كاد يعجز عن دفنها لولا أن تبرع الجيران بدفع نفقات التكفين والدفن.. لقد ماتت في يناير.. شهر مولده.. وحين جاء الربيع بروائح الكرز وعبير البنفسج وابتسم البدر فوق قمم الأشجار استبد به الحنين إليها فكتب أروع قصيدة في الأدب الأمريكي وأروع قصيدة قالها شاعر لزوجته عموما:
"كان هذا منذ أعوام طوال طوال.. في مملكة بقرب البحر.. عاشت عذراء بتول لك أن تدعوها.. باسم: أنا بيل لي.. عاشت تلكم البتول ولا غرض لها في الحياة إلا أن تهواني وأن أهواها.. طفلة كانت وطفلا كنت.. في تلك المملكة بجوار البحر.. إلا أننا عرفنا الحب الذي هو أقوى من الحب ذاته أنا وحبيبتي أنا بيل لي.. حبا أثار حسد الملائكة ذوات الأجنحة علينا.. وفي ليلة منذ زمن سحيق في تلك المملكة بجوار البحر.. هبت الريح من غمامة فاقشعرت حبيبتي أنا بيل لي..
وأتى من يحملونها بعيدا عني.. ليسجنوها في ضريح.. في تلك المملكة بجوار البحر.. لكن حبنا كان أقوى من حب كل من فاقونا عمرا.. من كل من فاقونا حكمة.. ولن تقدر الشياطين في أعماق المحيط ولا في طيات السحاب أن تفصل روحي عن روح أنا بيل لي.. لا يسطع ضياء القمر إلا ويجلب لي الأحلام عن أنا بيل لي الجميلة.. ولا تلتمع النجوم إلا وأرى فيها عيني أنابيل لي الجميلة..
***********************************
كنت شاردا في هذه الخواطر حين شعرت بيد جيري تجذب كمي.. أن أنتبه لشئ مريب.. كان هناك رجل قصير القامة أصلع الرأس يقف على بعد خطوات منا وكان يرمقني بذلك الفضول المزعج الذي يوحي بحقه الإلهي في التدخل فيما لا يعنيه.. نظرت له في حنق وأدرت ظهري له كي لا أراه.. ثم اختلست نظرة أخرى للوراء فوجدته يحدجني بذات الثبات.. كان يرتدي معطفا خاكيا حال لونه وفي فمه سيجارة مطفأة.. وفي عينيه رقة ومودة لا أنكرهما.. وفي اللحظة التالية دنا منا.. لقد تجاوز الفضول حدوده ليدخل في نطاق التدخل السافر.. أنا لا أحب هذا.. وحين فتح فمه ليتكلم كان ما قاله هو آخر شئ مخبول توقعته في حياتي.. قال وهو يطرف بكلتا عينيه:
- مستر بو.. أخيرا قد عدت..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
20- أسطورة بو - الفصل الأول
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: