كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 18- أسطورة حسناء المقبرة - الفصل الثاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 18- أسطورة حسناء المقبرة - الفصل الثاني   الأحد فبراير 04, 2018 6:54 am

2- اسمها براكسا..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الليالي المقمرة عالم ساحر.. هذا بالطبع إذا تغاضينا عن الأشياء المرعبة التي يراها واسعو الخيال.. وأنا لست واسع الخيال.. لكني بشر.. ومن أبسط حقوقي الآدمية أن أرتجف خوفا حين أرى ما يدعو لذلك..
***********************
تشبثت يدها بيدي.. يدها الباردة كالثلج.. المبتلة كأحضان بوسيدون أو نبتون إله البحر عند الإغريق.. سأظل أذكر ما حييت ذلك المشهد الدرامي المصاحب لخروجها البطئ من الماء وشعرها مختلط بالطين والأعشاب وجسدها الذي كان مغمورا كله أشبه بجسد تنين أسطوري يخرج ببطء من المياه.. أنا عشت موقفا مشابها حين أخرج وحش لوخ-نس عنقه العملاق من تحت مياه البحيرة لكني أعترف أنني لم أشعر ساعتها بهذا الشعور المقلق الغريب.. في لوخ- نس كان الفزع مجسدا وكاملا وواضحا.. أما هنا فهناك جو رهيب من الغموض لا أستسيغه كثيرا.. (آثار أقدام الدب أكثر إفزاعا من الدب نفسه) وهو مثل روسي قديم لم يسمعه الروس من قبل لأنني أنا مؤلفه الوحيد.. وإنني لا أرجو أن يضمه الإخوة الروس إلى قائمة أمثالهم المتعلقة بالدببة.. لهثتْ.. استجمعت قواي المتهالكة حتى نجحت في إخراج باقي الجسد من الماء.. وعندئذ فقط أطلقت يدها سراح يدي.. وهناك عند قدمي تكورت تلهث وترتجف.. انحنيت راكعا على ركبتي وربت على كتفها المبتل..
- الحادث.. السيارة.. فـ.. فجأة..
=لا عليك.. أنت على ما يرام الآن.. اهدئي بالا..
كانت في حال شبه هستيرية وتصدر هذه الأصوات التي يختلط عليك كنهها.. أبكاء هي أم ضحك.. ولا ألومها كثيرا في الواقع..
=هل أنت مصابة؟..
- لا أدري.. لا أدري.. السيارة.. الـ..
=هل كان معك آخرون؟..
- لا.. وحـ.. وحـ.. هييييه!..
وأخذت تشهق وتزفر وتسعل مرارا لا حصر لها.. ثم إنها ألقت برأسها المبتل الذي تفوح منه رائحة الماء والطحالب على كتف بذلتي الجديدة.. مشكلة أن تكون شهما هي اضطرارك للتضحية بأشياء أخرى غير راحتك وحياتك.. ربما اضطررت للتضحية بثيابك أيضا وهذا أسوأ ما في الأمر.. ساعدتها على النهوض على قدميها ببطء وهي ما زالت مستندة إلى كتفي وسرني أنها تحرك أطرافها جميعا دون ألم فلا يوجد كسر إذن وهي متنبهة واعية فلا يوجد ارتجاج مخ إذن.. دعك من أن يكون هناك نزف داخلي فهذا احتمال لن يتضح إلا بعد قليل.. ببطء ساعدتها على السير..
- إلى أين؟..
قالتها بصوت واهن.. وياله من سؤال!.. أنا أمقت الأسئلة الغبية:
=إلى سيارتي طبعا.. سنقصد المستشفى في فاقوس أو إذا شئت..
- لا..
بعصبية لا مبرر لها في الواقع.. ثم هدأت لهجتها قليلا وأردفت:
- أنا بخير.. لا مستشفى أرجوك.. أريد أن.. أبتعد..
=ليكن..
ودنونا من السيارة ففتحت لها الباب الأيمن فألقت بجسدها على المقعد وطوحت رأسها إلى الوراء حتى حسبته موشكا على أن ينفلت منها ويتدحرج إلى المقعد الخلفي ودرت أنا حول مقدمة السيارة لأجلس في مقعد السائق ثم أدير المحرك.. ولم يفتني أن ألقي نظرة أخيرة إلى مشهد السيارة الغارقة في الماء بينما أضواؤها تبعثر ذلك الضوء المهيب تحت صفحته.. وعلى بعد أمتار كانت المقابر ترمق ختام المشهد في فضول.. خيل لي أنها تتثاءب استعدادا للنوم بعد انتهاء العرض المسرحي المشوق.. وعادت معالم الطريق تزحف إلى دائرة نور السيارة.. مرافقتي ما زالت تنظر بعينين زائغتين إلى سقف السيارة وقد ارتخى جسدها كله كوتر كمان تمزق من كثرة العزف.. اختلست نظرة جانبية إليها.. جميلة هي دون شك.. برغم كل شئ أستطيع أن أميز شعرها الطويل الفاحم وأنفها الأقنى وشفتيها المنفرجتين قليلا عن صرخة صامتة..
كانت ترتدي فستانا في حال مزرية لكن من الواضح أنه كان أنيقا محتشما أزرق اللون قبل أن يحوله الحادث إلى خرقة مبتلة تصلح لتلميع الأثاث.. وكانت قد فقدت حذاءها وبالطبع حقيبتها.. سألتها وأنا أثبت عيني على الطريق:
=من القاهرة؟..
- همممممم..
=وما اسمك؟.. أنا رفعت إسماعيل.. طبيب بشري..
- اسمي براكسا نجيب..
قالتها وكأنها لا تجد غرابة في الاسم.. تساءلت عن الاسم من جديد لأتأكد أن سمعي لم يخني.. فقالت في شئ من نفاد الصبر:
- براكسا..ب..ر..ا..ك..س..ا..
=يبدو أن أباك مولع بالأدب اليوناني..
كنت أتحدث بالطبع عن مسرحية براكسا للساخر اليوناني العظيم أرستوفان.. وهي المكان الوحيد الذي سمعت فيه اسما مماثلا.. قالت الفتاة وهي ما زالت ترمق الطريق ورأسها راجع للوراء:
- لم يخنك الظن كثيرا.. الواقع أن أمي يونانية.. وهي التي اختارت لي هذا الاسم..
غريب هو اسم براكسا.. غريب ورهيب وأسطوري.. يوحي بشئ ما لا يمكن وصفه.. شئ أزلي كالكون نفسه.. غامض كالظلام.. رهيب كأنشودة الريح عبر الوديان المنسية.. براكسا.. أية صعوبات سببها لها اسم كهذا لا يمكن أن يكون الموظفون قد كتبوه كما يجب في شهادة ميلادها وشهادة تخرجها و..و..؟.. ربما تحول معهم إلى برديس أو نرجس أو براءة أو أي اسم مشابه..
=وماذا جاء بك إلى هنا يا آنسة.. أو هل أقول يا سيدتي؟..
- آنسة.. وجئت هنا لأن..
وصمتت هنيهة.. نظرت نحوها بطرف عيني لأعرف لم صمتت.. لمحت شفتيها تختلجان.. وتكورت تفاحة آدم في عنقها فأدركت أنها تبتلع ريقها قبل أن تجيب ثم تنهدت:
- أرجوك لا داعي لرفع الكلفة.. إن لي أسبابي الخاصة التي أرجو إعفائي من ذكرها..
شعرت بالدم يحتشد في أذني خجلا.. يالي من متطفل سخيف.. ليكن إذن.. هذه الفتاة لا تحب التدخل في خصوصياتها باعتبار وجودها في سيارة على طريق كفر بدر اللعين وحدها أمرا لا يثير الفضول.. هل كانت تزور أقاربها؟.. لا يبدو هذا التفسير مستساغا لي.. على كل حال الوقت يمضي.. مددت يدي إلى علبة السجائر وسحبت سيجارة ولم أنس أن أقرب العلبة منها فجذبت سيجارة لنفسها.. هي إذن من الطبقة التي تدخن فيها النساء.. وهما طبقتان في مصر: طبقة الفتيات المدللات رائدات أندية التنس وبابي ومامي وطبقة نساء الأحياء الشعبية الفقيرة.. إذن فهذه الفتاة بالاستبعاد مدللة تعاني من الفراغ والملل وتتسلى بقراءة الوجودية قبل النوم.. قربت عود الثقاب من سيجارتها وتأملت وجهها على ضوء اللهب المتراقص.. كانت شاحبة إلى حد غير عادي.. وثمة هالات سوداء على جفنيها السفليين.. هذا شئ متوقع بالطبع.. وهنا وجدت عينيها مرفوعتان نحوي تتفحصاني بنفس الاهتمام!.. أجفلت واعتراني الارتباك والحرج.. ثم إنني أشعلت سيجارتي وتصاعد الدخان الأبيض وركزت على الطريق..
=كيف سقطت السيارة في الماء؟..
سعلت قليلا من صدر واضح أنه اعتاد الدخان وقالت بإنهاك:
- لا أدري.. لو عرفت ما حدث لتجنبته.. كنت مسرعة ولم أدر أين تبدأ الترعة وأين تنتهي.. فجأة لم أجد أرضا تحت العجلات.. لا شئ سوى الظلام.. مياه باردة تتسرب إلى صدري.. فتحت باب السيارة وكافحت عبر المياه حتى أصل إلى البر و..
ساد الصمت بضع دقائق ثم سألتها:
=هل جئت لزيارة المقابر؟..
- نعم..
=ولماذا؟..
مرة أخرى تعيد رأسها للوراء مريحة إياه على مسند الرأس وتنهدت:
- إن أبي هناك..
********************
القاهرة يا مدينتي العجوز المنهكة.. الشوارع ما زالت مزدحمة برغم أننا في منتصف الليل.. إنه ليل الصيف الحار الذي يطرد الناس طردا إلى الطرقات.. وزحام الأضواء الباهرة الملونة بينما صوت أم كلثوم يتردد من مكان ما يشدو أغنية هذه ليلتي.. وكانت الفتاة -عليها اللعنة- قد أحرقت خمس سجائر من علبتي ووجهت لي مائة رد مسكت على أسئلتي الفضولية.. لماذا تتصور هذه الحمقاء أنني أتطفل أو أحاول مغازلتها؟.. لقد صرت كهلا منهكا لا يفكر في شئ سوى حاجته الماسة إلى النوم.. ولولا بقية من حياء عندي لقلت لها إنها لا تمثل لي سوى عقبة في طريق العودة إلى داري فالعشاء فالحمام فالنوم إلى ساعة متأخرة من صباح غد.. أشد ما يثير حنقي هو أن تفترض فتاة سوء النية فيك بينما أنت لا تعبأ بها أصلا.. وتبدأ في تفسير تهذيبك وعنايتك الرجولية على أساس من خيالها المريض..
=إلى أين تريدين أن أصحبك؟..
قلتها وتوقعت أن تقول لي الزمالك أو جاردن سيتي.. لكنها لم تقل شيئا من هذا..
- كل الأماكن تتساوى عندي!..
ماذا؟.. هذه الفتاة إذن فيلسوفة عبثية من تلاميذ كامي لا تجد فارقا بين أي وضع وآخر أو هي مخبولة تماما وأنا أميل إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير.. إن الفلاسفة لا يمشون في المقابر ليلا..
=ماذا تعنين بالضبط؟.. أين عنوان دارك هنا؟..
- ليست داري هنا.. ولا في أي مكان على وجه الأرض!..
نظرت لها في حيرة.. كانت محتفظة بذات الوضع العجيب.. حتما هي مصابة بصدمة عاطفية من هول ما رأته.. فلأكن بها رفيقا..
=إذن من أين جئت؟..
- جئت من حيث وجدتني..
وابتسمت ابتسامة غامضة دون أن تنظر نحوي وأردفت:
- جئت من المقابر!..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
18- أسطورة حسناء المقبرة - الفصل الثاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: