كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 18- أسطورة حسناء المقبرة - الفصل الأول

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 18- أسطورة حسناء المقبرة - الفصل الأول   الأحد فبراير 04, 2018 6:53 am

1- فتاة...!
ــــــــــــــــــــــــــ
الليالي المقمرة عالم ساحر.. هذا بالطبع إذا ما تغاضينا عن الأشياء المرعبة التي يراها واسعوا الخيال.. ولم أكن أعرف عن نفسي إلا ضيق الخيال.. لهذا لم أحسب كل هذا ممكنا..
**********************
اليوم السابع من مايو 1967.. تذكرون أنني في هذا التاريخ بالضبط كنت غارقا حتى الأذنين في مشاكلي مع غيبوبة هن- تشو- كان التي تأبى أن تنتهي بالموت وهو الراحة الكبرى أو الإفاقة وهي الراحة الصغرى.. كنت غارقا في خواطري وأبحاثي الحائرة عن مخرج حين حدثت لي هذه القصة.. أحداثها لم تتعد أسبوعا لكنها جديرة بكل تواضع أن توضع على رف ذكرياتي جوار مصاصي الدماء والمذءوبين والنباتات المفترسة وكل كهنة الإزتك الحانقين دوما.. في الساعات الأولى من الصباح دق جرس الباب.. فنهضت لأفتحه لأجد عمي الحاج إبراهيم قد وقف على الباب يدق الأرض بعصاه.. وقد غرق في العرق والغبار بعد رحلة طويلة من قريتي إلى داري.. فما إن رآني حتى وثب يعانقني.. ويطلق السباب لسبب لا أعرفه حقا.. ثم بدأ كالعادة يعلن استياءه من تدهور صحتي ونحولي وتأخري في الزواج إلى الحد الذي صار معه الأمر مريبا.. ولم يفتني حين أدخلته الشقة أن ألاحظ النظرات المتشككة التي راح يمسح بها كل ركن فيها كأنما -سامحه الله- يتوقع أن شقة العازب هي وكر للموبقات.. وأنه سيجد غانية في كل حجرة.. وزجاجة خمر تحت كل مقعد ومائدة قمار خلف كل ستار.. إنهم يتزوجون في العقد الثاني في قريتي.. وهم لا يفهمون أن يعيش إنسان حتى العقد الخامس من عمره دون زواج ما لم يكن مخبولا أو فاقد الرجولة أو معوج السير.. سامحك الله يا عمي!.. أنت لم تر ولم تعرف ماجي.. وهذا يكفي كي لا ألومك على سوء الظن.. مشكلتي مع الزواج هي أنني سريع الملل وسلبي إلى حد مفزع.. ومعنى الزواج هو أن أجتاز غابة شائكة من الإجراءات والمفاوضات والمجاملات وأن - تصوروا هذا - أسافر إلى دمياط لانتقاء الموبيليا مع حماة متشككة رافضة لكل شئ!.. وكل هذا لأجل ماذا؟.. لأجل فتاة لا أحبها ولا أحمل نحوها أية مودة.. إن اجتياز هذه الغابة يحتاج حافزا قويا.. حافزا أقوى بكثير مما تقدمه لي أية واحدة ممن عرفتهن.. ولقد كانت هويدا مناسبة إلى حد ما.. قادرة على جعلي أتحمل ما ينبغي أن أتحمله.. لكن العفن تسرب إلى علاقتنا دونما سبب مفهوم وحين انتزعت خاتمها من يدي اليمنى أدركت أنني أنتزع آخر أمل لي في أن أصبح زوجا أو أبا.. دعونا من هذا الموضوع الممل.. لنعد إلى عمي الذي -حتما- يحمل لي موضوعا أكثر أهمية.. جلس عمي في الصالة يجفف عرقه بمنديل كبير ويلهث.. ثم جرع جرعة كبيرة من زجاجة المياه الغازية وتجشأ ثلاثا.. ثم قال:
- لقد وجدت أنك نسيتنا.. وأمك في ورطة حقيقية بينما أنت هنا يا دكتور لا يوجد ما يشغلك من زوجة ولا أولاد.. فقلت لها إن عندها رجلا كامل الرجولة ولابد أن يكون معها في لحظات كهذه.. [صبرا.. لا يوجد خطأ في الموضوع.. فلم تكن أمي قد لاقت ربها عندما حدثت هذه القصة.. فقصتي مع هن- تشو- كان تسبق قصتي مع نبات الموكاسا.. لكن تأخري في سرد الأولى جعلها تأتي بعد الثانية.. عسير عليّ أن أشرح لعمي أنني مشغول مع كاهن من التبت مصاب بغيبوبة السيرجانتا.. لن يفهم حرفا دعك من أن يصدقه].. أنت تعرف أن أباك رحمه الله - الفاتحة على روحه - ولا الضالين آمين.. أنت تعرف أن أباك أوصاني بأن أتابع كل التفاصيل فيما يتعلق بتلك البائسة التي لا تفهم شيئا..
فرغت من قراءة الفاتحة ومسحت وجهي بكفي.. ثم بدأت أفهم كل التفاصيل منه والأمر يتعلق بخلاف على قيراط أرض يعتقد أخي رضا - تحت ضغط زوجته طبعا - أنه حقه.. في حين تعتقد أمي وأختي أنه حقهما.. وأنا بطبعي أنفر من هذه النوعية من المشاكل المادية التي تفرق ما بين أفراد الأسرة الواحدة ولم يكن لي علاقة بشئ سوى بنصيب ضئيل دفعت منه أول أقساط سيارتي التي أسدد ثمنها حتى اليوم.. لكن عمي كان متحمسا.. ولم أرد أن أبدو بشكل المتخاذل الذي يتهرب من الحفاظ على حق أمه.. إن الأمر سيحتاج كثيرا من الكياسة لتفادي صدام لا أريده مع رضا أخي الوحيد.. وكثيرا من العبقرية كي أقنع أمي بأنني لم أظلمها.. وهكذا كما ترون تركت ميدان المعركة وارتديت ثيابي قاصدا قريتي مع عمي لكني لم أنس الاتصال بالمستشفى طالبا منهم المزيد من العناية بالفتي المريض هن- تشو- كان..
***********************
طبعا هناك العديد من الأسرار العائلية في الموضوع لهذا أرجو إعفائي من ذكر ما حدث وكيف تمت تسويته.. وهذا على كل حال لن يفيد روايتنا في شئ.. لقد ولى عهد أونوريه دي بلزاك الذي كان يسود الصفحات بوصف مشاكل ومشاعر شخصية.. ثم يتضح لنا أنه يتحدث عن الخياط مثلا.. وأن هذا الخياط لا دور له في القصة بعد ذلك بتاتا!.. لقد كان الاستطراد هواية.. أما اليوم فالقارئ ملول لا يريد سوى ما يخدم القصة.. وهذا يناسبني هذه المرة.. (بالمناسبة.. سامحوني على هذا الاستطراد الأخير).. لقد انتهى الخلاف في مساء اليوم السابع من مايو.. أي أنني قضيت في قريتي أقل من يوم وعلى طريقة الدبلوماسي الذي يقنع كل طرف بأنه نال قطعة أكبر من الكعكة.. نجحت أنا في إقناع أمي بترك القيراط لرضا ونجحت في أن أقنع رضا بترك القيراط لأمي!.. ثم ودعتهم جميعا - أمي وأختي ورضا وطلعت - غير عالم أنني أودع أمي الوداع الأخير.. أنتم تعرفون قصة وفاتها من كتيب سابق لهذا لن أعيد سردها.. وفي الثامنة مساء ركبت سيارتي عائدا إلى القاهرة..
******************
طريق كفر بدر المتجه إلى فاقوس غير مرصوف.. ويشعرك السير فيه بأنك جالس في خلاط أسمنت سريع.. أنت تعرف هذه الطرقات الريفية غير الممهدة الضيقة كمسافة بين سطرين تحفها من الناحيتين أشجار عجوز تتهدل أغصانها المنهكة على حين تجري على أحد الجانبين قناة أو مصرف تكسوها طبقة كثيفة من الطحالب الخضراء.. وفوق كل جزيرة من هذه الطحالب ترى فقاقيع ماء تروح وتجئ.. وصوت نقيق ذكور الضفادع التي تحاول الظفر بأمسية صيف دافئة.. ومن بعيد خلف الأشجار يلاحق البدر سيارتي وعلى وجهه تلك البسمة الوقحة التي أمقتها.. ذكرني البدر بالمذءوبين.. من يدري؟.. لربما خلف شجرة ما يرفع أحدهم عقيرته نحو القمر وينتظر.. ينتظر البائس الذي يمشي على قدميه في هذا المكان المخيف.. سرت القشعريرة في ظهري وتنهدت.. لا يوجد مذءوبون.. أنا واثق من هذا.. بل أثبت الحقيقة بنفسي في سهول رومانيا.. لكنه مرة أخرى الخوف الغريزي غير المبرر من كل ما نجهله.. إن طابع الرعب المحلي يتباين جغرافياً من مكان لآخر.. فوسط ثلوج رومانيا وأشجار الصنوبر المكسوة بالجليد يمكنك أن تحلم بالمذءوبين وتخشاهم.. أما في جامايكا بأمطارهم الحارة يكون السحر الأسود والفودو مناسبين للجو.. القلاع تناسب مصاصي الدماء أكثر.. أما في قريتي وحقول الذرة فإن الطابع المحلي للأساطير يأخذ تيمة النداهة والجان وغيرها.. إن رؤية مذءوب في ريف مصر أمر شاذ وغير متوقع.. أمر لا يليق بالبيئة كأنك ترى عازف طبل بلدي وسط أوركسترا.. أو مباراة تنس جوار مصرف المياه الآسنة في قريتي.. لماذا تدافعت هذه الخواطر إلى ذهني في هذا الوقت؟.. ربما لأنني رغم الشيب المحتشد على جانبي رأسي ما زلت طفلا.. طفلا يتسلى بإفزاع نفسه حتى الموت ويتلذذ بكونه آمنا داخل السيارة المغلقة فيخلق خياله ألف شبح وشبح خارجها..
***********************
ومن بعيد لاحت لعيني تلك القباب الصفراء الكئيبة تستحم في ضوء القمر البارد.. إنها المقابر.. مقابر قرية كفور داود.. وهي بالنسبة لمن يعرف طريق قريتي الوعر علامة على أن ثلاثة كيلومترات تفصله عن فاقوس.. وأنا أحب المقابر.. أحب طابع الحزن الصامت المخيم عليها.. وأحب كونها المكان الوحيد الذي يكف ساكنه عن إيذاء الآخرين للأبد!.. تمتمت بكلمات الفاتحة وأنا أرمق شواهد القبور البدائية المصنوعة من الطين وقد غطيت بطبقة متآكلة من الجير وعليها أسماء ساكني القبور بخط طفولي مكتوب بالطبشور غالبا.. كنت أوشك على الابتعاد حين لمحت عيناي شيئا ما.. على جانب الطريق إذا أمكننا تسميته كذلك كانت تلك الترعة الراكدة بمياهها المغطاة بالطحالب.. لم تكن ضيقة ولم تكن واسعة.. مجرد ترعة بريئة أخرى.. لكنني أدركت أن شيئا ما يحدث تحت مياهها.. تلك البقعة الغامضة من النور الأصفر تضئ المياه وما حولها وتنعكس لتضئ دائرة لا بأس بها من جذوع الأشجار المدلاة في تراخ حول الترعة وهأنذا أدنو أكثر.. وعلى كشافات سيارتي يتضح لي المسرح أكثر ويسقط قلبي في قدمي ذعرا.. إن ما أراه لهو سيارة -هيكل سيارة- قد هوت في مياه الترعة مائلة فانغرست مقدمتها وأكثر من نصفها رأسيا تحت الماء.. وقد ظلت أضواؤها سالمة مرسلة ذلك الضوء العجيب كانما الترعة تتوهج ذاتيا.. لابد أن هذا الحادث طازج ما دامت البطاريات لم تنفد أو يتخللها الماء.. وكذا لم يكن أمامي سوى أن أوقف محرك سيارتي وأترجل.. في توجس أدنو من مسرح الحادث.. ببطء وذعر.. ولم أنس طبعا أن أدس قرص النيتروجلسرين تحت لساني تحسبا لما قد أراه.. وعند حافة الترعة توقفت.. استدرت للخلف فرأيت المقابر صامتة تنتظر على الجانب الآخر من الطريق كأنها جمهور المسرحية وأنا الممثل الأوحد بها.. ثم عدت أرمق المشهد الذي أمامي..
السيارة في وضعها الرأسي وسط المياه تبدو كوحش أسطوري يرشف المياه ليروي ظمأه ثم لن يلبث أن يرفع وجهه ويراني وعندئذ.. لكنني دنوت أكثر.. لا أستطيع أن أميز أي شئ من داخل السيارة.. لكن حتما يوجد راكب أو اثنان.. ربما أسرة بريئة كاملة.. بالتأكيد لقي السائق حتفه.. ولكن هل ثمة آخرون؟.. وعلى ضوء القمر القاسي استطعت أن أميز ماركة السيارة.. سيارة أوبل من طراز عتيق نوعا على لوحتها كتب (ملاكي القاهرة-72345).. أشعلت سيجارتي وعلى ضوء اللهب الخافت المنبعث منها شرعت أتأمل موقفي.. أنا لا أجيد السباحة وأعتبر طفو إنسان فوق الماء متحديا كل قوانين الطبيعة نوعا من معجزات الأولياء.. إذن لا يوجد سبيل أمامي سوى الذهاب إلى قرية كفور داود والعودة بعشرة رجال أشداء مفتولي العضلات ممن يمارسون معجزة السباحة ليساعدوني في إنقاذ هؤلاء التعساء هذا بالطبع إذا كان هناك من بقي منهم.. وهنا سمعت صوت الأنين.. وعند قدمي أدركت أن هذه الكومة المتشابكة من الطحالب والطين والثياب الممزقة لم تكن مجرد كومة.. لقد كانت هناك يد بشرية متشنجة تحاول التشبث بسيقان نبات ذيل القط الذي ينمو بكثرة على حافة الترع.. وحين انحنيت أكثر أدركت أن هذه اليد تخص كائنا حيا يحاول في استماتة أن يخرج من الماء.. كانت يد فتاة..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
18- أسطورة حسناء المقبرة - الفصل الأول
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: