كنز القصص والمعلومات

يحتوي المنتدى على كمية رائعة من المعلومات والقصص من كافة الأنواع لإمتاع وتثقيف القارئ
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 17- أسطورة النافاراي.. الفصل الثاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 299
تاريخ التسجيل : 31/01/2018
العمر : 37
الموقع : البداري

مُساهمةموضوع: 17- أسطورة النافاراي.. الفصل الثاني   الأحد فبراير 04, 2018 6:42 am

العاشرة والنصف مساء اليوم الخامس من مايو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكنهم نسوا النوافذ!.. تذكرت هذه الحقيقة في ذات اللحظة التي تذكرتها ابنة الأستاذ زكريا الكبرى.. رأيتها تخرج من الغرفة وشعرها مغطى بشبكة تحتها عشرات من تلك البوبينات التي تلف النسوة شعورهن عليها مما يعطي مظهرهن طابعا فضائيا وكأنها قصة خيال علمي..رأيتها تهرع للخارج إلى الصالة صائحة بأبيها:
- النوافذ يا أبي!.. فلتستغث من النوافذ..
صحت في حماس وقد راقت لي الفكرة:
=هذا مناسب تماما.. لنطلب من أحد المارة أن يحضر الشرطة..
وعالجت مزلاج النافذة ففتحته.. ثم وقفت أرمق الشارع في شرود على ضوء أعمدة النور المتناثرة.. لم يكن هناك أحد.. ولا واحد في الشارع الراقي الضيق الذي يمتاز بالهدوء طوال العام.. فقط سيارتان واقفتان إلى جوار سيارتي.. وثمة قط مذعور يفر بعيدا.. ثم لا شئ.. ابتلعت ريقي ثم فتحت فمي عن آخره:
=النجدااااااااااه!..الغااااااااااااااوث!..
بدا لي صوتي مبتذلا وغريبا خاصة وأنني لم أعتد على الصياح في حياتي.. وكأن الفتاة وجدت هذا غير كاف فقربت رأسها جوار كتفي وصاحت بصوت رفيع رائع كفيل بإيقاظ الموتى:
- النجداااااااااااه!..
لكن كل هذا الصراخ ذهب بلا جدوى.. ظل الشارع ساكنا بليدا كما كان وكما سيكون فيما يبدو.. إن شيئا في كل هذا ليس على ما يرام..
**********************
عدت بكتفين منحنيتين إلى داخل الصالة.. أواجه النظرات الحيرى للأستاذ زكريا وزوجته وبناته..
- والعمل؟..
=لا عمل.. ننتظر هنا حتى تنتهي المشاجرة..
- والرجل الواقف بالباب؟..
=إنه لم يحاول الدخول ولا تهديدنا.. كل ما يريده هو أن نظل حيث نحن وحتى تنتهي تسوية الحساب.. وجلست على مقعد مريح ولم تكن معي سجائري.. لحسن الحظ أن الأستاذ زكريا يدخن.. وبنظرة متسائلة أشرت إلى علبة سجائر موضوعة على المنضدة.. فأشار لي أن لا أمانع.. وأعدت لنا الزوجة بعض أكواب الشاي وبعض شطائر الجبن وعادت لتجلس معنا متسائلة في توتر (كانت على شفير الانهيار العصبي):
- ماذا يحدث بالضبط؟..من هؤلاء؟..
=إن شرح هذا يطول يا سيدتي.. لكن لنقل إن زميلي في الشقة يمثل الخير واللون الأبيض.. أما هؤلاء الأوغاد فهم اللون الأسود بلا ظلال!..
وهنا دوى صوت صرخة عنيفة من الطابق العلوي.. ثم صوت صرخة مضادة وأشياء تنقلب كأن فيلا يتعلم وثب الحبل هنالك..
- يجب أن نمد له يد العون.. ذلك البائس!..
جرعت جرعة كبيرة من الشاي واسترخيت على المقعد:
=إن قتال هذين لشبيه بقتال الديناصورات التي ترينها في الأفلام الخيالية ولن يلعب المخلّص بينهما أكثر من دور الذبابة.. أي أن كل ما سيفعله هو أن يسحق أو يُمزق..صدقيني..من الأفضل عدم التدخل..
المزيد من الصراخ والركلات و.. تشاه سارايانا.. كيوه سارايانا.. إذن هناك آخرون قد دخلوا الخط.. وهنا حدث ما كنت أخشاه.. لم أفهم في البدء معنى هذا.. فقط خيل لي أن دبابة تهشم باب الشقة ثم رأيت قدما حافية متصلبة الأوتار والعضلات تشق خشب الباب دون رحمة تصاحبها ضربات من يد مشابهة.. وبعد ثانية كان رجل صيني شرس الشكل يحمل خنجرا كئيب المظهر.. كان هذا الرجل قد دخل إلى الشقة وبوثبة واحدة كان عندي و.. يؤسفني أن أذكر أنه جرني من قفاي جرا إلى الباب.. وأنا أمسك بكوب الشاي مرددا:
=لحظة أيها الحيوان!.. الشاي سينسكب عليّ!..
لكنه بالطبع لم يعر كلامي انتباها.. وشعرت بنفسي أحمل حملا إلى مدخل الشقة.. الإضاءة الخافتة على السلم والظلام الشرير القابع على الأطراف ينتظر.. وحين رفعت عيني لأعلى رأيته.. واقفا عند أعلى درجات السلم متحفزا كالنمر.. غاضبا كالثور.. متوترا كالثعبان.. كان هن- تشو- كان.. وعلى درجات السلم تناثرت ثلاثة أجساد مهشمة لا تبدي حراكا..
واضح طبعا أنهم من رجال الماهايانا الذين نالوا عقابا لن ينسوه.. وكان الفتى يردد في هستريا حانقة:
- سوان هاتشاه سارايانا!..
يالك من معتوه!.. ليس هذا هو وقت البروتوكول.. اضرب ثم تكلم.. إن هذه المثاليات والتشبث بالتقاليد ستقودك حتما إلى كارثة.. ثمة جسد رابع يتلوى وهو يئن على بعد أمتار من مكاني.. واضح طبعا أن هذا هو جسد جينغ- تشا الذي كوفئ على حماسه بسقوطه من فوق درجات السلم مهشم العظام.. لقد كانت الغلبة للكاهن الأخير إذن.. وشعرت بجسد الوغد الذي كان يقيد حركتي يتصلب.. ثم شعرت بنصل الخنجر يتحسس شيئا ما في عنقي.. ذات الوريد البائس الذي داعبه الزومبي وسفاح الإسكندرية يوما ما.. فما إن رأى هن- تشو- كان المشهد حتى صرخ في جزع..
- ريفات!..
وهنا سمع صوت خطوات من أعلى فرفع بصره -وكذا فعلت أنا ليجد عزت جاري المثال البائس بقامته الناحلة ولونه الأسمر العجيب.. كان يرتدي منامة زرقاء وحافي القدمين مما دلني على أنه كان غافيا حين فوجئ بالكارثة التي هبطت عليه في صورة صيني آخر مفتول العضلات يلوح بخنجر مبهج الشكل ويهدده باستعماله.. ومن الطابق الأسفل لمحت صينيا آخر يمسك باللواء محمد حليم المتقاعد.. وكان يرتدي فانلة داخلية وبنطال بيجامة ويصدر عبارات التهديد لهؤلاء الأوغاد.. الأمر الذي بدا لي مضحكا.. لقد صار الموقف واضحا.. ولمحت بطرف عيني جهازا معقدا من التروس والسلاسل والنصال موضوعا على السلم لا أدري ما هو كنه حتما جهاز تعذيب عبقري قادم من عالم محاكم التفتيش.. وبالتأكيد سيبدءون في تجربة هذه التحفة علينا أمام عينيّ هن- تشو- كان.. حمدا لله أن هؤلاء الأوغاد اكتفوا بتهديد الرجال فلو بدءوا بتهديد بنات الأستاذ زكريا او المهندس سليم لكن الموقف محطما للأعصاب إلى حد لا يوصف ولاضطررنا واضطر هن- تشو- كان إلى التهور مهما كانت النتائج.. ثم إن هناك متعة لا تُنكر في أن أرى الأستاذ زكريا يُعذّب حتى ولو كنت أنا التالي في الدور له!.. بتؤدة ينهض جينغ- تشا من رقدته.. بثقة يجلس.. بسماجة يتكلم موجها كلامه إلى هن- تشو- كان.. والكلام بلغة النافاراي التي لا يفهمها سواهم (وأشك أنهم يفهمونها في الواقع).. نظرة بلهاء مذهولة في عيني عزت.. المسكين.. لابد أنه يحسب أن كل هذا كابوسا.. لقد صحا من النوم ليجد نفسه وسط كل هذا.. أما المهندس سليم فأخذ يتساءل في حيرة:
- بسم الله الرحمن الرحيم!.. أية لغة شياطين هذه؟..
=شششششش!.. إنها لغة النافاراي!..
لا أحتاج لأن أكون عبقريا كي أفهم ما يقال.. لقد صار هؤلاء الأبرياء في قبضتنا أيها الزهرة الزرقاء وحياتهم رهن إشارة منك.. فإذا سلمتنا كتاب الشوكارا فقد كفى الله المؤمنين القتال وإذا رفضت فسترى أسوأ مجزرة لم تزر كوابيسك بعد.. وللمرة الأولى أرى أمارات الغباء والحيرة على وجه هن- تشو- كان.. كان عاجزا عن اتخاذ القرار الصائب.. عاجزا عن إنقاذ الجميع في وقت واحد فمهما أجاد وأسرع فحتما سيفلت منه وغد أو وغدان يطيحان برأس أو رأسين.. كان عاجزا عن تسليمهم الكتاب تراث أجداده المقدس وحتى لو فعل فمن يضمن له النتائج؟!.. أما عليّ أنا فالاختيار بسيط جدا.. أنا أرفض أن أموت في سبيل كتاب مقدس عند رهبان التبت في القرن الخامس عشر!.. هذا هو رأيي وأرفض أن أرى الموضوع على أي ضوء آخر.. نعم هو رأيي.. ولكن من يصغي؟..
*********************
الحادية عشرة والربع- مساء اليوم الخامس من مايو..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أطلق عزت أنة ثم تهاوى على الأرض.. ياللكارثة!.. كنت أعرف أن هذا سيحدث.. وها هو ذا ذلك الأحمق يصاب بهبوط حاد ناجم عن فرط الانفعال وأرجو ألا ينسى القارئ أنه-عزت لا القارئ طبعا- مصاب بفشل الغدة فوق الكلوية ويعيش على الكورتيزون.. سيكون صعبا أن أشرح تاريخ حالته الطبية بالإشارات لهؤلاء المتعصبين.. لكن الحقيقة.. الحقيقة التي لم تفارقني هي أن الفتى في وضع خطر وستزداد حالته سوءا لو لم ينل حقنة كورتيزون حالا..
******************
دارت محادثة طويلة مملة بين هن- تشو- كان وجينغ- تشا.. ونظرا لأنني لا أريد أن يفارقني القارئ فإنني سأعفيه من ذكر استنتاجاتي بشأنها.. فلابد أنها نوع من صياح الديكة المتحفزة قبل القتال.. وفجأة رأيت هن- تشو- كان يمد يده إلى أزرار قميصه ويفتحها.. وينزع القميص كاشفا عن جسده العضلي المتوتر.. وحول خاصرته رأيت كيسا من النايلون مربوطا بحزام قماشي.. إذن كان هذا هو موضع الكتاب طيلة الوقت.. فهو لم يثق في أي مكان يخفيه فيه.. وهو ذا قد استسلم أخيرا.. ورأيت الفتى يفك الحزام ويلوح به وبالشئ الموضوع في الكيس.. لكن جينغ- تشا ردد كلمة ما في عناد.. واضح طبعا أن الفتى يطالبهم بإطلاق سراحنا.. أما جينغ- تشا فمصر على موقفه.. الكتاب أولا ثم نرى كيف نتصرف.. كلاهما مصمم على رأيه.. وقد بدأ الملل يعتصرني.. مرت اللحظات ثقيلة.. ثم.. هو ذا هن- تشو- كان يطوح بالكيس في الهواء.. وتشتت انتباه العصابة ليروا أين سيسقط الكتاب..
وكانت هذه هي اللحظة التي انتظرها الكاهن الأخير طويلا.. أما ما حدث بعد ذلك فلا يصدق.. أنتم تذكرون تدريبات الفتى المتواصلة مع الفئران ولم تصدقوا حرفا.. الآن تصدقون..!..
****************
كانت الوثبة طويلة من أعلى درجات السلم.. ولمحت الوغد الذي يكبل حركتي وقد هوى على الأرض ثم رأيت قدما تضرب جينغ- تشا على جذور عنقه وكفا تهوي بين عنق أحدهم وكتفه.. ولمحت الرجل الذي يهدد لواءنا المتقاعد وهو يتدحرج على السلم.. ثم رأيت الخنجر يطير في الهواء ليستقر في صدر وغد آخر.. ثم هوى الكتاب عند قدمي بالضبط!.. عندئذ فقط بدأت أدرك حجم المعجزة التي تمت أمامي وأدركت أننا بحاجة إلى أسابيع طويلة قبل أن نفهم ما فعله الكاهن الأخير.. على السلم كانت هناك ثلاثة أجساد مهشمة فازداد العدد قليلا.. انحنيت على الكتاب لألتقطه لكني سمعت شخطة من هن- تشو- كان كي أتركه حيث هو.. واضح أنه لا يريد تدنيس الكتاب بأيدي غرباء.. ثم إنه وقف على قدميه.. العرق يغمر ثيابه وينساب كالشلال من فوق شعر حاجبيه وهو يهتف لاهثا:
- سوان هاتشاه ساريانا!..
ثم ينحني جوار جينغ- تشا الممدد بلا حراك على الأرض فيربت على جبينه مرددا:
- جينغ- تشا.. سوان هاتشاه ساريانا!..
هو ليس فخورا بما فعل.. وها هو ذا يعتذر لجينغ- تشا لأنهم أرغموه على ذلك وأنهم اضطروه لاستعمال أسلوب السارايانا الذي كما هو واضح يعتبره قذرا.. لقد انتهت المأساة بمذبحة.. لكن على الأقل ليست دماؤنا هي التي تلطخ درجات السلم وكنا أقرب ما يكون لذلك.. ينهض الكاهن الأخير.. يمشي بتؤدة ليأخذ الكتاب حيث سقط عند قدمي و..
=احترس يا هن-تشو-....!
ولم أكمل تحذيري.. إذ رفع جينغ- تشا رأسه بمجرد أن أدار هن- تشو- كان ظهره له.. إن هذا المتعصب لا يهلك أبدا!.. ورأيته يمسك بأداة هي عبارة عن كرة دوارة تبرز منها الأشواك كتلك التي يظهر بها محاربو النينجا وهم يقاتلون بها دائما في أفلام هونج-كونج الرديئة.. وبآخر ما تبقى لديه من قوة.. ببقايا الروح التي تفارق جسده سريعا.. قذف الكرة التي دارت في الهواء بسرعة جنونية.. ثم استقرت في مؤخرة عنق هن- تشو- كان.. تقلص وجه الفتى وارتسمت عليه أعتى أمارات الألـ.. اللعنة!.. إنه يتهاوى كالبالون المثقوب.. تنثني ركبتاه ويرتخي ذراعاه.. ثم يغمغم شيئا ما.. وينكفئ على وجهه بلا حراك..
********************
الحادية عشرة والنصف- مساء اليوم الخامس من مايو..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سقط هن- تشو- كان عند قدمي فوق كتابه.. أطلقت صرخة رعب.. وانحنيت لأريح رأسه على ركبتي.. ثم مددت يدي بحذر وانتزعت الكرة الدوارة من مؤخر عنقه.. كانت لينة وهذا غريب وخفيفة الوزن وهذا أغرب تشع منها إبر صغيرة مجوفة.. وهنا فهمت.. إن الضرر الذي تحدثه هذ الكرة ليس ناجما عن قوة ارتطامها والأذى الذي تسببه للتركيبات الحيوية بل هو ناجم عن قيامها بحقن سم ما.. هأنذا أعتصر الكرة بحذر فينز سائل أخضر اللون من أطراف الإبر.. وهذا السائل هو ما يجري الآن في عروق الكاهن الأخير.. وكانت الكرة مزودة بطرف عار من الإبر ليسمح لمن يقذفها بألا يدمي أصابعه.. ولكن ما كنه هذا السم؟.. أنا لا أعرف سموم هؤلاء القوم لكني أستطيع تخيلها.. سم من أسنان ثعبان الصخور الأرقط.. أو من أنياب التنين المطحونة.. أو من عصير الوطاويط.. أو أي شئ من هذا الهراء الذي لن أعرفه أبدا.. فتحت عيني هن- تشو- كان فوجدت الحدقتين ضيقتين دبوسيتين.. وكان يتنفس بصعوبة واللون الأزرق يزحف على شفتيه.. إذن سنقتدي بالقاعدة الطبية القديمة: إذا كان السم مما يضيق حدقتي العينين فالترياق المناسب لابد أن يوسعهما!.. أرحت رأسه على الأرض وهرعت إلى شقتي وسط التساؤلات.. ومتناسيا الفوضى في كل مكان -كأن إعصارا مر بالشقة- جريت إلى الصيدلية الصغيرة في الحمام فكسرت ستة أمبولات من الأتروبين وعبأت محقنا بها.. قد يكون السم مشتقا من مادة الفوسفور العضوي.. وقد يكون من قلويدات الأفيون..وقد يكون من مشتقات الأرجوت.. وقد يكون مادة ما لم أسمع عنها ولا يعرفها أحد.. كل شئ جائز.. لكني لن أنتظر حتى يموت هن-تشو-كان بينما أرمقه في حزن.. يجب أن افعل شيئا حتى ولو كان هذا الشئ هو التعجيل بموته!..
ونزلت درجات السلم لألحق بالفتى حين حدث شئ غريب.. لم تكن هناك جثث.. لم يكن هناك صينيون!.. اختفوا أو تبخروا أو ذابوا في اللانهاية.. فقط كان جسد هن- تشو- كان هناك وقد أراح رأسه على ركبة الأستاذ زكريا.. ولمحت الذهول في عيون القوم.. فأين ذهب المعتدون إذن؟.. لكنني استطعت أن أفهم.. لقد عادوا إلى عالمهم بمجرد أن قضوا نحبهم.. كأن الشانكين ياي يجذب هؤلاء القوم باستمرار نحو زمنهم وأرضهم.. وحين ماتوا فقدوا ارتباطهم بهذه الأرض وعادوا محلقين إلى عالمهم.. كل هذا غريب.. لكنه يعني أن هن- تشو- كان ما زال حيا وما زال مربوطا بهذه الأرض وهؤلاء الناس وهذا الزمن..
*********************
أفرغت المحقن في عروقه النافرة وانتظرت في أمل.. والآن.. ها هي علامات الأتروبين تظهر عليه.. وجهه يتقد كجمرة ملتهبة.. حدقتاه تتسعان.. لسانه يجف كقطعة من القش.. قشور بيضاء تحتشد على شفتيه.. نبضه يتسارع.. المفروض أن ينهض.. لكن هذا لم يحدث.. إن الأمر أعقد مما تصورت ولم يعد ثمة ما أفعله سوى نقله إلى المستشفى الجامعي حيث أعمل لمعرفة ما يمكن عمله..
*********************
وتعاونت مع عزت الذي استعاد قواه نوعا لنحمل الفتى إلى سيارتي ثم أنهب بها الشوارع نهبا قاصدا المستشفى.. وهناك تعاون طبيبان شابان من أطباء التخدير على إيلاج أنبوب القصبة الهوائية في حنجرته ثم وصلاها بجهاز للتنفس الصناعي وتم إجراء بعض التحاليل الدموية وحقن لترات لا جدوى منها من مادة الدكستروز في عروقه.. قال أحدهم مضيقا عينيه في ذكاء:
- تبدو لي كحالة من.. من..
=من ماذا؟..
- من تسمم الأتروبين!..
تبا لك!.. لقد كنت أنا من حقنه بالأتروبين منذ دقائق!.. إن مشكلتنا وهذا واضح لي بلا حل.. فإما أن يعود هن- تشو- كان إلى الحياة من تلقاء ذاته وإما أن يموت من تلقاء ذاته وليس لدينا سوى الانتظار ومصمصة الشفاه.. منحني الكتفين مطأطئ الرأس عدت لداري بعد كل هذه الضوضاء.. الساعة تقترب من الواحدة من صباح اليوم السادس من مايو.. أصعد في درجات السلم في توجس.. لقد رحل رجال الشرطة من زمن وعاد الجيران إلى شققهم.. فلم يبق أثر سوى باب الأستاذ زكريا المهشم الذي ثبته بالمسامير مؤقتا حتى يجد من يصلحه في الصباح.. لابد أنهم قد ناموا على أمل أن يعرفوا في الصباح أنهم كانوا يحلمون.. و..
لحظة!.. نسيت شأن الكتاب تماما!.. صحيح أنه لا يهمني في شعرة لكنني حتما أحترمه وأحترم تضحية هن- تشو- كان بحياته من أجله فلا أريد لهذا الرمز أن ينتهي في سلة المهملات أو تلف فيه أقراص الطعمية.. إن اهتمام الآخرين بشئ ما يضفي أهمية حقيقية على هذا الشئ ولهذا يتلخص كبرياء الوطن في قطعة قماش هي العلم.. ويتلخص حبك لزوجتك في حلقة ذهبية أو فضية هي الدبلة.. ويتلخص كل كيان الفتى وذكرياته في هذا الكتاب الأبله الشوكارا.. لهذا ومهما كنت قاسيا لا أجرؤ على إهمال هذا الكيان.. قرعت الجرس الوحيد الذي جرؤت على قرعه في هذه الساعة.. جرس جاري عزت الذي يحيا كذئب وحيد.. انفتح الباب وظهر لي بوجهه الأسمر الكالح متسائلا عما هنالك فما إن رآني حتى أشرق وجهه ودعاني للدخول هاتفا:
- ألن تفهمني كنه هذا الذي حدث؟..
=نعم.. فيما بعد لكن ليس الآن.. والآن هلا أخبرتني بما حدث لذلك الكتاب الملفوف في كيس والذي أخرجه الفتى من تحت ثيابه ليقدمه للمعتدين؟..
صاح في حيرة وهو يحك ما تحت إبطه:
- كيف لم تر ما حدث؟.. آه!.. لقد جريت إلى شقتك لتحضر المحقن.. حسنا.. لقد زحف أحد الرجال -أكثرهم عدوانية- نحو موضع الكتاب و..
=تعني أن جينغ- تشا لم يكن قد مات بعد؟..
- كان يلفظ آخر أنفاسه إلا أنه التقط الكتاب واحتضنه.. ولم يجرؤ أحدنا على منعه بالطبع ثم..
=ثم ماذا؟..
- ثم أخرج قنينة صغيرة جدا بحجم الإصبع وجرع ما فيها وسقط منكفئا على وجهه وبعدها ذاب.. تلاشى تماما هو ومن معه من رجال.. رفعت!.. أنا أسمع كثيرا عن الهلوسة الجماعية فهل ما مررنا به نوع منها؟..وما هو سبب كل هذا؟..
ثم أشرق وجهه بنشوة الفن وهتف:
- آه لو رأيت منظره وهو يزحف فوق درجات السلم!.. الأسد الجريح!.. يالنبله ويالرشاقته!.. إنني عاكف الآن على رسم اسكتشات أولية لهذا المشهد بغرض صنع تمثال جديد..هل تحب أن تراها؟!..
*********************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://yousefahmed-com.ahlamontada.com
 
17- أسطورة النافاراي.. الفصل الثاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنز القصص والمعلومات :: الفئة الأولى :: أساطير ما وراء الطبيعة-
انتقل الى: